
سورية بين إرث الأسد وولاءات الشرع، السلطة العائلية في زمن التحولات :
فعلى مدى أكثر من نصف قرن، حكمت عائلة الأسد سورية بأسلوب مركزي مطلق، حيث لم يكن المنصب وحده معيار النفوذ، بل الانتماء العائلي والولاء الشخصي للرئيس، بحي صار أي فرد من عائلة الأسد، مهما كانت درجة قرابته، يمتلك نفوذًا وسلطة أكبر من أي وزير أو قائد عسكري أو أمني، واستفاد من هذا النفوذ في تراكم ثروات ضخمة على مدى خمسين عامًا، هذه السيطرة العائلية على السلطة والموارد لم تترك مساحة حقيقية للمنافسة المدنية أو المهنية، وجعلت أي مشروع لإصلاح الدولة أو توزيع عادل للنفوذ محدودًا للغاية...
لكن :
مع فرار بشار الأسد، دخلت سورية مرحلة جديدة بقيادة أحمد الشرع، منذ توليه السلطة منذ ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ حاملاً معه نموذجًا مختلفًا من السلطة، لكنه لا يقل مركزية عن إرث الأسد، فالسلطة بقيت عائلية، لكن الولاءات لم تعد طائفية تقليدية أو عسكرية، بل أصبحت جهادية وإسلامية صريحة داخل المكون السني، فالمناصب العليا تُمنح للأفراد الذين يمتلكون التزامًا إيديولوجيًا محددًا، بينما الخبرة أو المؤهلات العلمية لم تعد كافية لضمان الثقة الحكومية، بهذا التحول، لم تعد المعركة السياسية بين الطوائف كما في السابق، بل بين السني الجهادي والسني غير المتزمت، وهو معيار جديد للحكم والتمثيل السياسي...
الا انه هناك نقاط التقاء ربما تبدو عفوية وهي غير ذلك حتما فالرئيس الشرع كما سابقيه اعتمد
في اختيار المناصب الحساسة على عائلته وليس على رفاقه في ( الجهاد ) فإخوته يشغلون مناصب استراتيجية تفوق أحيانًا وزراء الدولة أنفسهم، فأحدهم أصبح أمين عام رئاسة الجمهورية ويرافق أي وزير في مهماته العالمية، وقد يمتلك الأقدمية العملية على الوزراء، كما حدث في زيارات الشيباني لموسكو فقد كان شقيق الرئيس على يمينه وبصراحة لم يكن هذا يظهر بشكل فج في العهد الساقط، بينما شقيقه الثاني يشغل منصب رئيس مجلس الاستثمار الأعلى، ويمتلك سلطة عملية تفوق وزير الاقتصاد، وهذه الحقيقة تؤكد أن السلطة في سورية ما زالت محصورة داخل دائرة عائلية ضيقة، تمامًا كما كان في عهد الأسد، مع الفرق أن الولاءات أصبحت إيديولوجية وجهادية أكثر من كونها طائفية...
فرغم المركزية والسيطرة العائلية، تواجه السلطة تحديات كبيرة، فاعتماد الولاءات الجهادية يحد من الانفتاح على الكفاءات المهنية والعلمية، و يقيد مشاركة الفئات غير المتزمتة داخل المكون السني، ما يجعل إدارة الدولة أكثر هشاشة أمام الضغوط الداخلية والخارجية، كما تعيد هذه الولاءات رسم خريطة الانقسامات الاجتماعية، لتصبح المعركة الأساسية بين السني الجهادي والسني غير المتزمت، بدل الانقسام الطائفي التقليدي، وهو تحول جوهري في بنية الحكم وموازين القوى داخل الدولة...
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول بصراحة إن مرحلة حكم أحمد الشرع لاتق خطورة أكبر على سورية والسوريين مقارنة بالنظام السابق، فالمركزية العائلية والولاءات الجهادية تجعل الحكم محصورا ومحدودًا، وتضع قيودًا صارمة على مشاركة الكفاءات والخبرات الضرورية لإدارة الدولة بفعالية، وهذا النموذج يعيد إنتاج هشاشة مؤسسات الدولة بشكل أعمق، ويجعل البلاد معرضة للتوترات الداخلية، وصعوبة مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية، واحتمال تصاعد الانقسامات الاجتماعية والسياسية...
باختصار :
حكم الشرع يعيد إنتاج نمط السلطة العائلية السابق، لكنه ضمن إطار أكثر حدة وخطورة، ما يجعل المستقبل السوري محفوفًا بالتحديات ويضع المواطنين أمام واقع سلطوي محدود ومرهق.