--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية بين لحظة الانفجار وإرهاق التشظي: شعبٌ يدفع ثمن التاريخ أكثر مما يصنعه

Salah Kirata • ٢٥‏/٤‏/٢٠٢٦

26736.png

سورية بين لحظة الانفجار وإرهاق التشظي: شعبٌ يدفع ثمن التاريخ أكثر مما يصنعه...

كل حدث، صغيرًا كان أم كبيرًا، يبدو في الحالة السورية كأنه حجر يُلقى في مياه راكدة منذ زمن طويل، فلا يخلق مجرد تموّج عابر، بل يُعيد تشكيل الدوائر من جديد، ويكشف ما كان مستترًا تحت سطح التعب: انقسامات، هشاشات، وتراكمات لم تُعالج يومًا.

ليس الأمر توصيفًا عابرًا لواقع سياسي مضطرب، بل حالة أعمق من ذلك؛ حالة مجتمع عاش عقودًا طويلة بين الحرب والقلق والانغلاق والعقوبات والانفجارات المتتالية، حتى باتت ردود فعله على الأحداث أقرب إلى الانقسام منها إلى التماسك. وكأنّ كل أزمة جديدة لا تُضاف إلى سجلّ الأزمات، بل تُعيد فتحه من الصفحة الأولى.

في هذا السياق، تبدو سوريا كجغرافيا مثقلة بالتاريخ أكثر من كونها مساحة تعيش الحاضر. كل حدث يتحول إلى اختبار جديد لمدى قدرة المجتمع على البقاء متماسكًا، لكن النتيجة غالبًا لا تأتي لصالح هذا التماسك. فبدل أن تكون الأحداث فرصة لإعادة بناء سردية وطنية مشتركة، تتحول إلى نقاط افتراق إضافية، تُعمّق المسافات بين أبناء الجغرافيا الواحدة.

ثمة من يرى في هذا الواقع قدرًا تاريخيًا لا يمكن تجاوزه، وثمة من يراه نتيجة تراكم سياسات طويلة من الإقصاء والتجريف وفقدان الثقة. وهناك من يُحمله للأفراد، أو للطوائف، أو للخارج. لكن الحقيقة الأشد قسوة أن التشظي حين يصبح نمط استجابة جماعية، فإنه يتجاوز الأسباب المباشرة ليصبح بنية نفسية وسياسية في آن واحد.

والمؤلم أكثر أن الوصول إلى هذه الخلاصة لم يعد يحتاج إلى تحليل معمّق؛ بل يكفي حدث واحد، أو أزمة واحدة، حتى تتكرر الصورة ذاتها: اصطفافات حادة، روايات متناقضة، واندفاع نحو إعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه. وكأن المجتمع، رغم كل ما مرّ به، لم يجد بعد لغة مشتركة لقراءة ذاته.

لكن الأخطر من التشخيص هو الاستسلام له. فقبول فكرة “التشظي الدائم” بوصفها طبيعة ثابتة هو بحد ذاته شكل من أشكال الهزيمة الفكرية. إذ لا مجتمع يُحكم عليه بالانقسام الأبدي، حتى لو بدا ذلك واقعيًا في لحظته التاريخية.

كيف يمكن الخروج من هذا النفق؟

الخروج لا يكون بشعار ولا بوعظ سياسي، بل عبر مسارات بطيئة ومركبة، أهمها:

1. إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة الاجتماعية
من دون ثقة بين الأفراد والجماعات، لا يمكن لأي مشروع وطني أن يصمد. الثقة هنا ليست سياسية فقط، بل يومية: في الخطاب، في التعامل، في الاعتراف بالآخر.

2. تحويل الذاكرة من ساحة صراع إلى مساحة فهم
المشكلة ليست في اختلاف الروايات، بل في تحويل كل رواية إلى سلاح. المطلوب ليس ذاكرة واحدة، بل قدرة على التعايش مع ذاكرات متعددة دون أن تتحول إلى قنابل مؤجلة.

3. استعادة السياسة من منطق الغلبة إلى منطق التوافق
حين تصبح السياسة امتدادًا للغلبة، يصبح المجتمع امتدادًا للانقسام. أما حين تُبنى على التفاوض، تبدأ إمكانية الخروج من الدائرة المغلقة.

4. الاستثمار في التعليم كأداة توحيد لا فرز
التعليم ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو المصنع الحقيقي للوعي الجمعي. أي إصلاح حقيقي يبدأ من هنا، لا من الخطابات.

5. تقليل الاعتماد على الهويات المغلقة
حين تضيق المساحة الوطنية، تتسع المساحات الفرعية تلقائيًا. توسيع مفهوم “المواطنة” هو الشرط الأول لتقليص التشظي.

في النهاية، ليست المشكلة أن سوريا مرت بكل هذا الكم من الأحداث، بل أن الأحداث لم تتحول إلى خبرة جامعة. ما زال كل حدث يُقرأ كأنه بداية جديدة، لا كجزء من مسار طويل يحتاج إلى فهم أعمق.

ومع ذلك، يبقى الباب غير مغلق تمامًا. فالمجتمعات التي تعبت من انقساماتها قد تصل يومًا إلى لحظة تقول فيها: كفى إعادة إنتاج الألم، وكفى تحويل كل اختلاف إلى شرخ جديد.

ذلك وحده، ربما، هو بداية الخروج الحقيقي من النفق.