
سورية بين مؤامرتين:
قراءة سردية في تشابك السلطة، الحرب، وتحوّل الدولة إلى ساحة صراع مفتوح...
بقلم:
د. صلاح قيراطة، استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية:
بداية:
لست انا من يتصدي بان أقدّم رواية نهائية للتاريخ، ولا أحكم على مسار الأحداث بقدر ما أعيد صياغة رؤية جدلية ترى أن ما جرى في سورية خلال العقود الأخيرة لم يكن خطاً واحداً من التحولات، بل تقاطعاً معقداً بين مسارين من الضغوط والانفجارات السياسية، انتهيا إلى تفكيك الدولة وإعادة تركيبها على نار الحرب، وهنا اذكر بمقولة :
( رحم الله قدر نفسه ) أو ( عرف حده فوقف عنده ) وانا اقله في قراءتي هذا تتقيد بهذين القوائم...
لذا اضع امام المهتمين من السوريين والعرب قراءة سردية،تنطلق من فرضية مركزية وهي :
( أن سورية وُضعت بين مؤثرين كبيرين، مختلفين في الزمن ولكن متداخلين في النتائج، شكّلا معاً مسار الانهيار والتحول العنيف)...
وفي التالي من مقالي سأفند رؤيتي مع تبويبها بفصول وارقام لعل هذه يعطي السردية السلاسة والانسيالية
أولاً:
مؤامرة السلطة وتحول الدولة إلى نظام شخصاني مغلق، وقد بدأ هذا المسار من داخل بنية الحكم نفسها، حيث جرى الانتقال التدريجي من دولة مؤسسات، أو ما تبقى منها بعد التحولات السياسية العاصفة في القرن الماضي، إلى دولة تتمحور حول مركز واحد للقرار...
هنا:
كنا كسوريين وكانت البلاد على موعد مع لحظة التحول الحاسمة، اذ لم تكن فقط في تثبيت السلطة، بل في إعادة تعريف الحزب والدولة معاً، بحيث يتحول التنظيم السياسي إلى أداة إدارية وإعلامية ملحقة بمركز القرار، بدل أن يكون إطاراً قيادياً مستقلاً، فقد عطل حافظ الأسد الحياة الحزبية من خلال تعطيل المؤتمرات القومية والقطرية وقبلها الحياة السياسية، فحتى الحزب الذي هو بنص الدستور قائد للدولة والمجتمع اختزل ليصير مع الوقت مديرية للعلاقات العامة والإعلام، يرتبط ( بأبي سليم ) الذي كان الأمين العام المساعد للحزب وكذا الأمين القطري يلتمسون خاطره للقاء حافظ الأسد...
وفي هذا السياق، كان الانتقال من القيادة الجماعية إلى التمركز الفردي على أنه بداية تفكك البنية السياسية التقليدية، حيث تراجعت آليات التداول الداخلي، لصالح شبكات ولاء أكثر من كونها مؤسسات...
كل هذا ممكن حافظ الأسد من التفرد بالحكم لاسيما أنه استفاد استفادة قصوى من جرائم جماعات إرهابية بدأت في نهاية السبعينات ولم تنته بأواسط الثمانينات كما تراءى للعيان، كل هذا أتاح لحافظ الأسد أن يعلن أو اقله يسير بعملية توريث السلطة داخل العائلة الحاكمة، وهذا ط لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل الدولة على أساس شخصي أكثر منه مؤسساتي، وهو ما أدى "وفق هذا المنظور"إلى إضعاف التوازنات الداخلية، وتآكل قدرة النظام السياسي على التجدد الذاتي...
في ظل هذه الظروف ظهرت للعيان بوجهها القبيح دون تورية لسوئتهت أدوات القوة الصلبة"الأمن، الجيش، الأجهزة" التي تحولت تدريجياً من وسائل لحماية الدولة إلى وسائل لضبط المجتمع، وهو ما خلق حالة احتقان طويلة الأمد داخل البنية الاجتماعية والسياسية...
ثانياً :
المؤامرة بدأت بصيغتها التنفيذية بمباركة امريكية عبرت عنها مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية التي كانت الشخصية الوحيدة التي التقت بشار الأسد على هامش حضورها للمشاركة في عزاء الأسد الأب، فبعد لقائها المثمر انبعثت الأبخرة البيضاء من قصر المهاجرين معلنة البدء في المؤامرة الأخطر التي سيتولاها بشار الأسد الذي لم يكن يملك من الأهلية التي تجعله رئيسا لبلد مثل سورية إلا أنه ابن مغتصبها الأول الذي قضى على رفاقه في قيادتي الحزب القومية والقطرية وأسقط عمليا الحزب الذي حوله لمديرية علاقات عامة وإعلام ترتبط برئاسة الجمهورية عبر ابو سليم مدير مكتب الرئيس وقد كان هذا جليا من خلال تعطيل المؤتمرات الحزبية ومن ثم التفرد بالسلطة من خلال الغلظة والقبضة الأمنية( وربما هي ضرورة لأن تحكم سورية) فلو لم يقدم حافظ الأسد دلائل إدانته وخيانته للأمانة من خلال عمله لتوريث الحكم في ابنائه لأكدت أن حافظ الأسد بنى اسلوب حكمه على ماهو موجود من أنماط سلوك السوريين الذين كان قد عرّفه الرئيس الراحل ( شكري القوتلي ) خلال مراسم توقيع قيام الوحدة بين سورية ومصر ...
المؤامرة الثانية وهي حتما وبلا نقاش كان( الربيع العربي ) الذي ظنه ( سنّة ) سورية أنه ثورة حقيقية فنط القوم وما حطوا حتى أوصلوا البلاد لحكم على ( الطريقة الإسلاموية ) من خلال هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها من جماعات جهادية كلها ذات جذور إرهابية وكله أنتج جماعة مغيبة اسميتها أنا بجماعة ( احمدنا ) وهي أكثر تطرفا وتغييبا من أي من التنظيمات الراديكالية التي ولدت من خاصرة جماعة الإخوان المسلمين...
في سياق هذه المؤامرة والتي بنيت فصولها بدقة وخبث ومهارة وخداع ليس له أن يكون إلا على أيدي بعض من عتاة الحركة الصهيونية، فقد بدأ كما أسلفت بتنصيب الولد لحكم البلد وتمت مساعدته بالقضاء على الحرس القديم الذي كان قد قاد البلد، وجاء بعينات من نوعيته وبسويته وغالبيتهم ثلة من المراهقين السياسيين وعهد إليهم بمفاصل الدولة وأطلق يديهم حيث عاثوا فسادا بغطاء من رئاسة الجمهورية... بعد ذلك انطلقت شرارة ( الثورة ) وهي عمليا الفصل الأخطر من نظرية ( الشرق الأوسط الجديد) الذي عُهِدَ لما سمي بـ ( الربيع العربي بتمريرها من خلال حثالات كانت قد أغلقت عقولها واستجابة لغرائزها فكانت الأسلمة والعسكرة وهي عمليا نظرية ( الفوضى الخلاقة) وهي العمود الفقري لنظرية ( الشرق الأوسط الجديد) ومن عهد له بهذه الحزئية كانت إيران وميليشياتها الفئوية وعلى رأسها (حزب الله اللبناني) الذي أمعن بالقتل على الهوية مما قدم المبرر والذريعة للجماعات الجهادية من كل أصقاع العالم لأن تهب لنصرة ( دين الله ) المُهان في سورية، فجاء الشيشان والاوزباكستان والتوركمان والايغور وسواهم كثيرون ممن دفعت الصهيونية العالمية، ومن بينهم حتما كل إرهابيي العالم لتكون المقتلة الكبرى على أرض سورية ( اقصد ) ان يتم التخلص من إرهابيي العالم في مواجهات دموية مع الجيش العربي السوري مما يؤدي إلى تدميره وشيطنته ويجد نفسه الجيش والنظام كما لو أنها لعبة ( قمار ) حقيقية فعاشت البلاد مؤامرتين في لبوس واحد لكن بصيغة ( مقامرة )... اقصد لم يكن احد في النظام السوري في وارد أن يكون هناك قتل وقتل مضاد بين طرفي الصراع( السوري - السوري )، فكانت القضية برمتها واقولها في البدايات ردود أفعال على أفعال اتسمت بالعنف وأنا هنا أؤكد أن نظرية ( الطرف الثالث ) أو ( المندسون ) كانوا موجودين لكني اضيف لا استبعد أن يكون هؤلاء من الفرقة الرابعة مدرعات بقيادة ماهر الاسد والمخابرات الجوية في ظل رئاسة الجهاز من المجرم جميل الحسن ولا استبعد أن يكون للمجرم سهيل الحسن وميليشياته من الدفاع الوطني دورا كبيرا بما حدث...
وهنا أقول:
إن ما سُمّي بـ"الربيع العربي"، والذي انظر إليه هنا ليس فقط كحركة احتجاجية، بل كنقطة انفجار في شبكة إقليمية ودولية معقدة، اذ لم يكن الحراك الشعبي في بداياته مجرد حدث داخلي، بل سرعان ما دخل في مسار إعادة تشكيل أوسع للمنطقة، حيث تداخل المحلي بالإقليمي، والسياسي بالعسكري، والاجتماعي بالأيديولوجي...
ففي خضم هذا التشابك، ظهرت تنظيمات مسلحة متعددة المرجعيات، بعضها ذو طابع ديني متشدد، وبعضها الآخر مرتبط بحروب إقليمية أوسع، ما جعل الأرض السورية ساحة لتقاطع مقاتلين وأيديولوجيات من خارج الحدود...
هذا التداخل أدى إلى تحويل الصراع من مواجهة سياسية إلى حرب مفتوحة متعددة الأطراف، تآكلت فيها الحدود بين المحلي والدولي، وبين الثورة والحرب، وبين السياسة والعسكرة.
ثالثاً:
الدولة كضحية لتقاطع المسارين، هنا اضع أمامكم النقطة المركزية لهذه القراءة، التي لا أقدَّم من خلالها سورية كفاعل واحد، بل كساحة التقاء لمسارين متوازيين:
- مسار داخلي مرتبط بطبيعة تشكل السلطة وتطورها...
- ومسار خارجي مرتبط بتدويل الأزمة وتحولها إلى جزء من صراعات إقليمية ودولية أوسع...
وهنا اصل إلى النتيجة النهائية على أنها حالة تفكك شامل:
تفكك في البنية السياسية، في المجتمع في الاقتصاد، وفي مفهوم الدولة ذاته...
واعتقد ان اقول هنا أنه لا يوجد طرف واحد في سورية قادر على ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، لأن المشهد تشكل من تفاعل معقد بين الفعل ورد الفعل، بين الداخل والخارج، وبين الحسابات السياسية والانفجارات الاجتماعية...
رابعاً:
منطق الضحية الجماعية بدل سرديات الانتصار والهزيمة، وهذا ما أريد من خلاله لقراءتي هذه التي حاولت من خلالها الوصول، في جوهرها، الى نقل النقاش من منطق الاتهام المتبادل إلى منطق الضحية المشتركة...
فبدلاً من اختزال السوريين في انقساماتهم، تُطرح فكرة أن الجميع " بدرجات متفاوتة"كانوا داخل دائرة الخسارة:
من فقد الدولة، ومن فقد الأمان، ومن فقد المستقبل، ومن فقد المعنى ذاته للحياة السياسية والاجتماعية...
وفي هذا السياق: يصبح السؤال الأهم ليس:
-من المسؤول الوحيد؟..
بل:
-كيف وصلت دولة كاملة إلى نقطة أصبحت فيها الحرب هي اللغة الوحيدة الممكنة للتواصل؟..
في النهاية:
أنا لا أدعي في هذه القراءة امتلاك الإجابة الدقيقة والنصيحة، بل أردت أن أطرح من خلالها سؤالاً أكبر من كل الإجابات الجاهزة...
كون :
سورية ليست فقط قصة حرب، ولا فقط قصة سلطة، ولا فقط قصة تدخلات خارجية...
بل هي وفق ما رأيته وأراه عبارة عن تشابك تاريخي معقد، لا يزال مفتوحاً على احتمالات لم تُحسم بعد...
وإذا كان هناك من خلاصة، فهي أن اختزال ما جرى في سردية واحدة مغلقة، سواء كانت سياسية أو أيديولوجية، قد يكون أبعد ما يكون عن فهم الحقيقة، لأن الحقيقة نفسها تبدو "حتى الآن" أكبر من قدرة أي رواية منفردة على احتوائها.