
سورية بين وهم الإقلاع السريع وضرورة العقد الاجتماعي الجديد:
تمرّ سورية اليوم بلحظة دقيقة لا تختصرها الشعارات الكبيرة ولا تكفي لقراءتها لغة الانتصارات السياسية. صحيح أنّ البلاد طوت صفحة ثقيلة بإزاحة النظام السابق، ونجحت في فكّ كثير من حلقات العزلة التي كبّلتها لسنوات، لكن ما يتشكّل في العمق هو سؤال مختلف: هل يكفي تغيير رأس السلطة لإعادة بناء الدولة، أم أنّ التحدّي الحقيقي يبدأ بعد لحظة التغيير؟
ثمة شعور يتنامى في أوساط واسعة، لا سيما بين النخب المهنية والاقتصادية، بأن الطريق إلى الاستقرار ما زال وعراً. التفاؤل الذي رافق البدايات اصطدم ببطء التحولات البنيوية، وبغياب وضوح الرؤية في مسائل الحكم والإدارة والعدالة الاجتماعية. الناس الذين انتظروا انفراجاً سريعاً في معيشتهم يكتشفون أن الانتقال السياسي لا يترجم تلقائياً إلى تحسن اقتصادي، وأن كسر العزلة الخارجية لا يعني بالضرورة بناء ثقة داخلية.
المعضلة الأبرز تكمن في بنية السلطة ذاتها. حين يتركز القرار في يد واحدة، وتتقدّم شبكات النفوذ غير الرسمية على حساب المؤسّسات، تصبح الدولة هشّة مهما بدت قوية في ظاهرها. لا يكفي إصدار إعلانات دستورية أو تشكيل لجان تحمل عناوين كبيرة؛ ما يمنح الشرعية الدائمة هو انتظام العمل المؤسّسي، ووضوح قواعد التعيين والمساءلة، وإخضاع السلطة نفسها للقانون.
تغوّل ما يمكن تسميته “مركز القرار الموازي” يخلق انطباعاً بأن الدولة الرسمية ليست سوى واجهة، بينما تُدار الملفات الحساسة عبر دوائر ضيقة لا تخضع لرقابة عامة. هذا النمط قد ينجح في مراحل الصراع حين تكون الأولوية للحسم والسيطرة، لكنه يصبح عبئاً في مرحلة بناء الثقة والاستقرار. فالدولة الحديثة لا تُدار بروح “الإمارة” بل بمنطق المؤسّسات، حيث تُوزّع الصلاحيات وتُحدَّد المسؤوليات ويُحاسَب المقصّر.
إلى جانب إشكالية الحكم، تبرز العقدة الاجتماعية بوصفها الاختبار الحقيقي. الرهان الأساسي للفريق الحاكم كان على انطلاقة اقتصادية مدفوعة بتدفقات استثمارية كبيرة، تُحدث صدمة إيجابية تعيد تدوير عجلة الإنتاج وتخلق فرص عمل وتُسكِت الأصوات المتحفّظة. غير أن التعويل المفرط على رأس المال الخارجي حوّل التنمية إلى انتظار. وفي اقتصاد أنهكته الحرب، لا يكفي فتح الأبواب للأسواق العالمية ورفع القيود عن الأسعار من دون شبكة أمان تحمي الفئات الأكثر هشاشة.
التنمية ليست صفقة تُبرم مع مستثمرين كبار، بل مسار طويل يُبنى على الثقة بين الدولة ومواطنيها. عندما يشعر المنتج المحلي بأنه مهدّد، والطبقة الوسطى بأنها تتآكل، والشباب بأنهم خارج المعادلة، يتراجع الحماس الجماعي الذي يشكّل الوقود الحقيقي لأي نهضة. لا يمكن تحويل بلد خرج لتوّه من حرب مدمّرة إلى “نمر اقتصادي” بقرار سياسي أو بإعلانات استثمارية؛ فالنمور لا تُستورد، بل تُصنع عبر التعليم، والإدارة الرشيدة، والعدالة، وتكافؤ الفرص.
هناك أيضاً بعدٌ آخر لا يقل حساسية، يتصل بالهوية وطبيعة المشروع المجتمعي. غموض الرؤية في هذا المجال يفتح الباب أمام تأويلات متناقضة: هل نحن أمام سلطة ذات مرجعية دينية تسعى لإعادة صياغة المجال العام وفق تصور عقدي محدد؟ أم أمام سلطة براغماتية تفتقر ببساطة إلى تصور متكامل لمستقبل البلاد؟ في الحالتين، غياب الوضوح يولّد قلقاً، ويغذّي الشكوك، ويمنح التيارات الأكثر تشدداً فرصة لملء الفراغ.
الانتقال السياسي في سورية ليس شأناً داخلياً صرفاً. تداخل المصالح الإقليمية والدولية يجعل من كل خطوة اقتصادية أو أمنية جزءاً من شبكة أوسع من الحسابات. غير أن الارتهان المفرط للخارج، تحت عنوان جذب الاستثمارات أو تثبيت التوازنات، قد يضعف السيادة بدلاً من أن يعززها. فحين يصبح القرار الاقتصادي رهينة اعتبارات جيوسياسية، تتراجع الأولوية لحاجات المجتمع الفعلية.
المراجعة هنا ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. المطلوب إعادة تعريف المشروع الوطني على أساس واضح: دولة قانون تفصل بين السلطات، إدارة محلية حقيقية تمنح المحافظات دوراً في صنع القرار، عدالة انتقالية لا تُساوم على حقوق الضحايا، واقتصاد يوازن بين الانفتاح وحماية الإنتاج الوطني. إن تعديل قوانين الإدارة المحلية، وإطلاق انتخابات بلدية شفافة، وتوسيع المشاركة السياسية، ليست إجراءات شكلية، بل رسائل ثقة بأن الدولة تعود إلى مواطنيها.
التجارب المقارنة تُظهر أن الشرعية المستدامة لا تُبنى على الازدهار وحده، بل على الإحساس بالكرامة والمشاركة. قد يصبر الناس على شظف العيش إذا شعروا بأنهم شركاء في القرار، لكنهم يتمرّدون حين يُطلب منهم الانتظار من دون صوت. لا يمكن محاربة الطائفية والانقسامات بإقصاء السياسة، بل بفتحها، ولا يمكن تحصين المجتمع ضد التطرف بتضييق المجال العام، بل بترسيخ الحريات ضمن إطار قانوني عادل.
سورية تقف اليوم بين خيارين واضحين: إما مراجعة جريئة تعيد ترتيب الأولويات وتضع الإنسان في قلب العملية التنموية، وإما الاستمرار في التعويل على الوقت وعلى وعود الخارج، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انكشاف داخلي وتآكل تدريجي للثقة. المستقبل لن يُحسم بخطاب تعبوي ولا بموكب رسمي، بل بقدرة السلطة على الإصغاء، وعلى التحول من عقلية السيطرة إلى عقلية الشراكة.
في النهاية، ليست المسألة كيف نجذب الرساميل، بل كيف نعيد بناء الإنسان السوري: ثقته بنفسه، وبمؤسّساته، وبأن هذا الوطن له جميعاً. عندما يصبح المواطن شريكاً لا متلقياً، وفاعلاً لا “زبوناً” في سوق المصالح الدولية، عندها فقط يمكن القول إن سورية غادرت مفترق الطرق، وسلكت درب الدولة التي حلم بها أبناؤها طويلاً.