--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية لم تُقدِّم كل هذه التضحيات كي نعود إلى المقارنات العرجاء

Salah Kirata • ١١‏/٥‏/٢٠٢٦

32974.png

سورية لم تُقدِّم كل هذه التضحيات كي نعود إلى المقارنات العرجاء:

في كل نقاش حول الواقع السوري اليوم، يخرج عليك من يرفع صوته أكثر مما يرفع وعيه، فيندفع بلا مسؤولية ليعقد مقارنة سريعة وسطحية بين ما تعيشه البلاد الآن في ظل ما يسميه البعض “الثورة الإسلامية السورية” وبين ما كانت عليه الأحوال في العهد الساقط. وكأن القضية كلها مباراة بين حكومتين، أو تنافس بين إدارتين، لا مأساة وطن ذُبح على مدى عقود، ولا شعب دفع من دمه وأعصابه وأعمار أبنائه أثمانًا لا تُحصى.

أنا شخصيًا أحمل عائلة الأسد وحدها مسؤولية ما آلت إليه البلاد من خراب وانهيار وتمزيق. أما ما دون ذلك، فكان يمكن معالجته بقرار واحد، أو “شطبة قلم” كما يقال في لغة السلطة السورية القديمة: يُسرَّح هذا، ويُنقل ذاك، ويُعتقل ثالث، ويُصفَّى رابع، وقد فعل النظام ذلك مرارًا بلا تردد ولا رحمة. ولذلك فإن اختزال الكارثة السورية بطائفة أو مكوّن اجتماعي ليس فقط ظلمًا أخلاقيًا، بل تزوير فج للتاريخ والواقع معًا.

ولعل أوضح الأدلة على ذلك ما جرى في أيام النظام الأخيرة، حين كانت “خلية الأزمة” تعمل بجدية على نقل السلطة بصورة سلسة إلى نائب الرئيس آنذاك الأستاذ فاروق الشرع. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط كل الادعاءات الرخيصة التي حاولت تصوير الحكم وكأنه حكم طائفي علوي بالمعنى التقليدي. لم يكن الحكم يومًا حكم طائفة، بل كان حكم “طائفة الأسد”؛ تلك الشبكة الانتهازية التي ضمّت حثالة من مختلف المكونات السورية، ممن ارتبط وجودهم بالسلطة والفساد والقمع، لا بالهوية ولا بالعقيدة ولا بالانتماء الأهلي.

لكن ما يثير الاشمئزاز حقًا هو ذلك النموذج الجبان الذي يعلّق أو يرد على التعليقات بعقل فارغ وأخلاق غائبة، متناسيًا أن سورية لم تُقدِّم مئات آلاف الشهداء، وأضعافهم من الجرحى، وملايين النازحين واللاجئين والمفقودين، كي ينتهي الأمر إلى مجرد مقارنة بائسة بين “ماضٍ” و”حاضر”. هذه مقارنة عرجاء، بل مهينة لتضحيات السوريين.

الشعب السوري لم يخرج، ولم يصبر، ولم يُدفن تحت الأنقاض، ولم يتشرد في أصقاع الأرض، لكي يعود بعد كل هذا الخراب إلى النقاش العقيم ذاته: أيهما أقل سوءًا؟ وأيهما أكثر قدرة على إدارة الخراب؟ السوريون دفعوا الثمن لأنهم أرادوا دولة تليق بحجم التضحيات. دولة تكون العدالة فيها قيمة عليا لا شعارًا أجوف، والمساواة فيها حقًا لا منّة، والقانون فيها مرجعًا فوق الجميع لا عصًا بيد الحاكم.

إن جوهر القضية السورية لم يكن يومًا استبدال شخص بآخر، ولا نظام بآخر، ولا حتى أيديولوجيا بأخرى. القضية كانت، وما تزال، بناء دولة المواطنة؛ الدولة التي يشعر فيها السوري، أيًا كان دينه أو مذهبه أو قوميته، أنه متساوٍ في الكرامة والحقوق والواجبات. دولة لا يُسأل فيها المواطن: “من أنت؟” قبل أن يُعطى حقه، ولا يُقاس ولاؤه بمدى تصفيقه للحاكم.

ومن هنا، فإن أي خطاب يعيد الناس إلى مستنقع المقارنات الطائفية أو التبريرات السياسية الرخيصة، إنما يهين دماء الضحايا قبل أن يهين عقول الأحياء. فالتاريخ لا يُبنى على الحنين إلى الخراب، ولا على الخوف من المستقبل، بل على الإيمان بأن الشعوب التي دفعت هذا القدر من الألم تستحق أخيرًا أن تعيش في وطن يشبه تضحياتها.