
تدوير السلطة لا تغيير الدولة:
مع قرار إجراء “تعديل” حكومي، يعود بنا السؤال نفسه إلى الواجهة: هل نحن أمام تغيير فعلي في بنية الحكم، أم مجرد إعادة ترتيب داخل الحلقة ذاتها؟
والجواب، هذه المرة أكثر من أي وقت مضى، يبدو واضحًا إلى حد الإحباط: ما جرى ليس تحولًا سياسيًا أو إداريًا بالمعنى الحقيقي، بل عملية تدوير محسوبة للأسماء داخل المنظومة نفسها، من دون اقتراب جدي من جوهر الأزمة السورية المتراكمة.
التغيير الحقيقي لا يُقاس بعدد الوزراء المغادرين أو الداخلين، بل بمدى اختلاف الرؤية التي يحملها القادمون، وبقدرتهم على إنتاج سياسات جديدة تتعامل مع الكارثة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية التي يعيشها السوريون. أما حين يأتي البديل من المطبخ ذاته، ومن السياق الإداري نفسه، وبالأدوات ذاتها، فإن أقصى ما يمكن توقعه هو تبديل المقاعد لا تبديل الاتجاه.
في وزارة الزراعة مثلًا، لا تبدو المشكلة في المؤهلات الأكاديمية أصلًا. فسوريا لا تعاني نقصًا في حملة الشهادات، بل تعاني غياب القرار والسياسة والإرادة. القطاع الزراعي، الذي كان يومًا أحد أعمدة الاقتصاد السوري، يعيش منذ سنوات حالة انهيار متسارع: ارتفاع تكاليف الإنتاج، انهيار القدرة الشرائية للفلاح، تراجع الدعم، أزمة المياه، احتكار الأسواق، وفوضى التسعير. هذه أزمة بنيوية لا يحلها انتقال المنصب من وزير إلى معاون وزير، ولا يصنع فيها الفارق عنوان أكاديمي جديد أو سيرة ذاتية أكثر أناقة.
الأمر ذاته ينسحب على وزارة الإعلام، حيث تبدو المؤشرات أكثر إثارة للقلق منها للتفاؤل. فبدل الحديث عن تطوير الإعلام الرسمي، أو بناء فضاء مهني أكثر انفتاحًا واحترافية، تدور الأحاديث حول حساسيات شخصية وصراعات نفوذ داخل البيئة المحسوبة على السلطة. وهذا بحد ذاته يكشف طبيعة التفكير السائد: الإعلام لا يُنظر إليه بوصفه مؤسسة للرأي العام أو منصة للنقاش الوطني، بل باعتباره ساحة ولاءات وتوازنات.
الأخطر أن بعض الخطابات الصادرة عن الوجوه الجديدة تعكس عقلية رقابية قديمة، تُعيد إنتاج لغة الوصاية الأخلاقية والاجتماعية نفسها التي أثقلت الحياة العامة لعقود. وفي بلد خرج لتوه من سنوات حرب مدمرة، وانفجار اجتماعي وسياسي هائل، تبدو العودة إلى خطاب التقويم الأخلاقي ومراقبة المجتمع وكأنها انفصال كامل عن أولويات الناس الحقيقية: الخبز، العمل، الخدمات، الأمان، والكرامة.
أما تغييرات المحافظين، فقد مرت ببرود لافت، ليس لأن السوريين غير مهتمين، بل لأن تجربة السنوات الماضية جعلت موقع المحافظ أقرب إلى وظيفة إدارية محدودة التأثير، تتحرك ضمن هامش ضيق للغاية. لذلك لم يعد الشارع ينتظر من تغيير المحافظين تحولًا في حياة المدن أو الخدمات أو الإدارة المحلية، لأن المشكلة لم تعد في الأشخاص بقدر ما هي في طبيعة النظام الإداري المركزي العاجز أصلًا.
ويبقى التعديل المتعلق بأمانة الرئاسة الأكثر دلالة سياسيًا، لا بسبب أهمية المنصب فقط، بل بسبب الرسائل التي أُريد تسويقها من خلاله. جرى تقديم خروج أحد الأقارب من موقعه باعتباره خطوة ضد المحسوبيات، وكأن المسألة تتعلق بشخص واحد لا ببنية كاملة من العلاقات المغلقة التي حكمت الإدارة السورية لعقود. والحقيقة أن تقليص حضور اسم عائلي في واجهة معينة لا يعني بالضرورة تغير آليات السلطة نفسها، خصوصًا إذا بقيت عملية الاختيار والتعيين محصورة داخل الدائرة الضيقة ذاتها.
المشكلة الأعمق أن السلطة رفعت سقف التوقعات بنفسها خلال الأشهر الماضية. بعد الانفتاح الخارجي الأخير، وكثرة الحديث عن إعادة التموضع السياسي والانطلاق نحو مرحلة جديدة، تشكل انطباع واسع بأن سوريا مقبلة على مراجعة حقيقية لشكل الحكم والإدارة، وربما على محاولة جدية لفتح المجال أمام تمثيل أوسع للقوى والكفاءات والمكونات الاجتماعية. لكن ما ظهر حتى الآن لا يعكس شيئًا من ذلك.
لا شخصيات مستقلة ذات وزن حقيقي دخلت المشهد، ولا تبدلات جوهرية في السياسات، ولا إشارات إلى مراجعات اقتصادية أو إدارية كبرى، ولا حتى محاولة لإشراك أوسع للشرائح السورية التي بقيت خارج دائرة القرار طوال السنوات الماضية. ما حدث أقرب إلى إعادة توزيع داخل البنية نفسها، مع تغيير في الوجوه والنبرات والأساليب، لا في الاتجاهات والخيارات.
ولهذا يشعر كثير من السوريين اليوم أن الحديث عن “التغيير الكبير” كان أكبر بكثير من الواقع الذي ظهر. فالدول لا تتجدد عبر تدوير المواقع بين أبناء الحلقة الواحدة، بل عبر فتح المجال أمام أفكار جديدة، وإدارات مختلفة، وعقد سياسي واجتماعي يعترف بحجم التحولات التي أصابت المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة.
أما الاكتفاء بتبديل الأسماء داخل الغرفة نفسها، فلن ينتج سوى نسخة معدلة من الجمود القديم، مهما بدا الإخراج الإعلامي مختلفًا.