
ترامب… حين يدخل التاجر إلى عالم السياسة :
لم يكن دونالد ترامب رئيسًا أمريكيًا تقليديًا، فهو لم يأتِ من خلفية سياسية أو مؤسساتية، بل دخل البيت الأبيض بعقلية تاجر خالص، ينظر إلى السياسة بوصفها سلسلة صفقات، لا منظومة قيم أو التزامات ثابتة، هذا الاختلاف في المنطلق يفسّر جانبًا كبيرًا من سلوكه وقراراته...
التاجر، بخلاف السياسي التقليدي، يحكمه منطق الربح والخسارة، كل قرار يجب أن يحقق مكسبًا واضحًا، وكل مواجهة — سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية—هي فرصة تفاوض لا يجوز الخروج منها خاسرًا، من هنا، تعامل ترامب مع ملفات كبرى باعتبارها أوراق مساومة، لا ثوابت لا تُمس...
وخلال فترة رئاسته الأولى، برز أسلوب خاص في إدارته للأزمات، تمثّل في التناقض المتعمّد في التصريحات، كان يطلق مواقف متضادة حول القضية نفسها خلال فترات زمنية قصيرة، ما يضع الطرف المقابل في حالة إرباك دائم، ويحرمه من القدرة على توقّع الخطوة التالية التي قد تقدم عليها الإدارة الأمريكية، هذا الأسلوب لم يكن ارتجالًا، بل أداة ضغط محسوبة تهدف إلى خلق حالة من اللايقين الاستراتيجي...
بهذا الغموض، حوّل ترامب عدم الوضوح إلى مصدر قوة، وفرض على خصومه التعامل بحذر مفرط، أو تقديم تنازلات استباقية خشية المفاجآت، في المقابل، اعتاد السياسي التقليدي السعي إلى الاتساق والاستقرار في الخطاب، باعتبارهما عنصرين ضروريين لإدارة العلاقات، ترامب قلب هذه القاعدة، وراهن على أن عدم القدرة على التنبؤ أكثر فاعلية من الوضوح...
في مراحله اللاحقة، بدا أكثر مباشرة وأقل ميلًا إلى التناقض الخطابي، لكن جوهر المقاربة لم يتغير: السياسة تُدار بعقلية الصفقة، والنتائج هي المعيار الأول...
خلاصة القول :
تجربة ترامب تفرض قراءة مختلفة، لا تقوم على الإعجاب أو الرفض، بل على الفهم، فالتعامل معه بوصفه سياسيًا تقليديًا يؤدي غالبًا إلى سوء تقدير، أما إدراك منطقه كتاجر في موقع القرار، فيكشف أن كثيرًا مما بدا صادمًا لم يكن عشوائيًا، بل محسوبًا بدقة، والخطأ لا يكمن في غرابة النموذج، بل في الفشل في قراءته.