
ترامب والشرع، زلة لسان أم قرار امريكي ؟ :
في تصريح مثير للدهشة، تجاوز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كل الأعراف والتقاليد الدبلوماسية حين قال عن (الشرع): "أنا من وضعته هناك وهو يؤدي دوراً جيداً..."
هذه العبارة، سواء أكانت زلة لسان أم استعراضاً للعضلات، تحمل أكثر من دلالة، وتتطلب قراءة دقيقة من وجهة نظر تحليلية وسياسية. فهي تكشف عن مستوى التأثير الأمريكي المباشر في رسم مصائر القادة، وتسلط الضوء على قدرة واشنطن على تحديد اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، بما يتجاوز الصورة التقليدية التي تقدمها البيانات الرسمية أو التصريحات الدبلوماسية...
إن كانت مجرد زلة لسان، فإن علم النفس التربوي يعترف بأهمية مثل هذه الزلات، حيث يمكن أن تكشف عن الحقيقة الخفية وراء الأقوال، خصوصاً عندما تأتي من شخصية بحجم الرئيس الأمريكي ترامب، أما إذا كان ترامب يستعرض عضلاته، فإن على وزارة الخارجية السورية أن تصدر بياناً واضحاً يوضح موقف سورية الرسمي من هذه التصريحات، بما يقطع أي تأويل أو تلاعب إعلامي. هذا البيان سيكون بمثابة إعادة رسم للحدود الدبلوماسية، واحتواء لأي محاولة لإساءة فهم العلاقة بين القيادة السورية واللاعب الدولي الأبرز...
لكن إن كان ترامب صادقاً في قوله، فهذا هو مربط الفرس، لأنه لذا يؤكد ما كنت أؤكده مراراً وتكراراً، أولها في فجر يوم ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ خلال مقابلة مع إحدى المحطات الفضائية الأوروبية، حين قلت :
ما حدث من سقوط وصعود لم يكن نصراً عسكرياً حاسماً وحقيقياً، ولم يكن نتيجة لانهيار الجيش السوري المنحل، ولا نتيجة اختلاف موازين القوى بين ليلة وضحاها، هذه الرؤية تدحض بشكل مباشر كل الروايات التي حاولت تبسيط ما حدث في سورية، وتضع الأحداث ضمن سياقها السياسي والاستراتيجي الحقيقي، حيث تتشابك المصالح الدولية وتُستثمر الفرص بحذر وذكاء.
فما حدث وفق موقفي المعلن وانا هنا لا اصطف ولا تخاصم ولا لصالح ولا تعارض ولا اوالي، أنا هنا محلل سياسي وعسكري في سياقات استراتيجية...
نعم إن ماحدث كان نتيجة تفاهمات دولية ومفاوضات متشابكة، مقايضات واتفاقات أدت إلى قرارات حاسمة...
وطرحت حينها سؤالاً مهماً ولطالما طرحته في لقاءات متلفزة ومقالات مكتوبة عن الصمت المطبق من الجانب الروسي والإيراني، مؤكداً في الوقت نفسه أن لتركيا دوراً بارزاً فيما حدث، لكن كل ذلك لم يكن ليتم لولا قرار أمريكي واضح وحاسم، لا يحتمل التأويل أو التأجيل...
عموماً :
هذا التأكيد يعيد رسم صورة القوى المؤثرة في الملف السوري، ويبين أن أي تحليل لا يأخذ بالاعتبار الدور الأمريكي المباشر سيكون ناقصاً، مهما بدت القوة العسكرية المحلية كبيرة أو ضعيفة.
إن تصريح ترامب، في سياقه هذا، يعيد فتح النقاش حول حقيقة الأحداث السورية الكبرى، بعيداً عن الروايات التقليدية التي تركز على الانتصارات والهزائم العسكرية فقط، كونه يضعنا أمام حقيقة مفادها أن الصعود والسقوط في السياسة الدولية لا يُقاس بالمعارك وحدها، بل بموازين النفوذ، بالمفاوضات الخفية، وبقدرة اللاعبين الكبار على توظيفها وفق مصالحهم الاستراتيجية...
لذا :
فإن فهم هذه الحقيقة هو مفتاح قراءة التاريخ السوري الحديث، ويمثل دعوة لإعادة تقييم الأحداث والقرارات التي تم تجاهل أبعادها الحقيقية لسنوات...
لأن :
الإدراك الواضح لهذا الواقع يمنحنا فهمًا أعمق للأحداث السورية، ويؤكد أن ما شهدناه من تحولات لم يكن وليد لحظة عسكرية أو انهيار مفاجئ، بل نتيجة شبكة معقدة من التفاهمات والضغوطات الدولية، يقف خلفها القرار الأمريكي الحاسم، الذي لا يُخفى على أي متابع دقيق، وهذا يعزز ما قلته سابقاً، ويثبت أن السرديات التقليدية عن الانتصار والهزيمة لم تعكس أبداً الصورة الحقيقية، وأن قراءة دقيقة للملفات الدولية هي وحدها من تكشف جوهر الأحداث.
وفي النهاية :
ما قاله ترامب ليس مجرد تصريح عابر، بل بمثابة اعتراف غير مباشر بأن ما جرى في سورية لم يكن نتيجة قوة داخلية بحتة، وإنما جزء من صفقات وتحالفات دولية، يجب على صناع القرار في دمشق أن يدركوا أبعادها، ويضعوا استراتيجياتهم القادمة على أساس هذا الفهم الواقعي والدقيق. إن الفهم الدقيق لهذه الحقيقة لا يعزز فقط موقف القيادة السورية داخلياً، بل يتيح لها أيضاً التوازن مع القوى الإقليمية والدولية بوعي استراتيجي كامل، بعيداً عن الانطباعات السطحية أو القراءات المبسطة للأحداث...
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن تصريحات ترامب تمثل نافذة فريدة على السياسة الأمريكية في المنطقة، وتظهر بوضوح أن ما جرى في سورية لم يكن مجرد لعبة قوة محلية، بل جزء من ديناميكيات أكبر تتحرك فيها المصالح الدولية الكبرى، من واشنطن إلى موسكو وطهران وأنقرة، وكل لاعب يحرك أذرعه ضمن شبكة معقدة من الاتفاقات والمفاوضات. وهذا يضع القيادة السورية أمام تحدٍ مزدوج: إدارة الملف الداخلي وتحقيق الاستقرار، وفي الوقت نفسه قراءة الواقع الدولي بعمق، لضمان أن أي خطوة مستقبلية تتوافق مع مصالح البلاد الحقيقية، وليس مجرد انطباعات أو تقديرات سطحية...
وعليه، تصبح هذه التصريحات دليلاً عملياً على أهمية رصد كل تحركات اللاعبين الدوليين، وفهم سياقها الكامل، إذ أن القوة العسكرية المحلية وحدها لا تضمن الاستقلالية في القرار، بل إن إدراك شبكة العلاقات الدولية وتوازن القوى هو ما يمنح سورية القدرة على اتخاذ خيارات استراتيجية سليمة، وتفادي الوقوع في أي افخاخ دولية، أو الانجرار وراء تحليلات سطحية قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.