--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

والمسؤولية: من أديب الشيشكلي إلى بشار الأسد

Salah Kirata • ٢٥‏/٢‏/٢٠٢٦

5197.jpg

الوطنية والمسؤولية:
من أديب الشيشكلي إلى بشار الأسد...

كان يوم 25 شباط 1954 يومًا مفصليًا في تاريخ سورية الحديث، يومًا تقف فيه كل ساعة كأنها صخرة صلبة على صفحات التاريخ. في ذلك الصباح، كانت حلب تتأجج بالتمرد، بقيادة النقيب مصطفى حمدون، الذي رفع رأسه متحديًا السلطة المركزية. الضباط الذين أحاطوا بالرئيس أديب الشيشكلي ضغطوا عليه، طالبوه باتخاذ القرار الحاسم، بإرسال الجيش لإخماد التمرد بالقوة، كان كل شيء يشير إلى مواجهة دامية محتملة، جندي ضد جندي، دماء تسيل في شوارع سورية، وتهديد مباشر لأمن الدولة واستقرارها...

لكن الشيشكلي، الرجل الذي بناه الجيش وقاد الدولة، وقف أمام هذا المأزق بوضوح وهدوء، قال لهم بكلمات ستظل محفورة في الذاكرة السورية: "لن اسمح أن يسفك دم سوري على يد جندي سوري"...
لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت فلسفة قيادة نادرة في عالم السياسة العربية: الوطنية فوق كل طموح شخصي، وواجب حماية الشعب فوق السلطة المطلقة...

في ساعات ما قبل الظهر، كان المشهد في دمشق والسويداء والجبهة متوترًا، والجميع يتخيل سيناريوهات المواجهة. لكن الشيشكلي، بحسمٍ لم يسبق له مثيل، لم ينتظر الضغوط، ولم يختبئ خلف الأوامر، فقد حزم حقائبه وغادر إلى بيروت، وبيده رسالة استقالة رسمية إلى الشعب السوري، مكتوبة بلغة الاحترام والحب والالتزام الوطني، تقول:
"أيها الشعب الكريم، حقنًا لدماء الشعب الذي أحبّه، والجيش الذي أفتديه، والوطن العربي الذي أردت أن أخدمه بتجرّدٍ وإخلاص، أتقدّم باستقالتي من رئاسة الجمهورية إلى الشعب السوري العزيز الذي انتخبني ومنحني الثقة الغالية، راجيًا أن يكون في ذلك خدمةً لبلادي، سائلًا الله تعالى أن يقيها شرّ كل مكروه، وأن يأخذ بيدها إلى قمّة المجد والرفعة، عاشت سورية"

لم يكن هذا مجرد خطاب استقالة، بقدر ما كان وثيقة وطنية، إعلانًا عن أن المسؤولية الوطنية تتجاوز كل غايات السلطة الشخصية، وأن حماية الشعب فوق أي اعتبار آخر...

في اليوم التالي، عاد الشيخ هاشم الأتاسي إلى سدة الحكم ليكمل فترة رئاسته، وبدأت سوريا تجربة ديمقراطية، رغم كل التحديات الداخلية والصراعات السياسية التي لا تنتهي... كانت الدساتير التي صدرت في تلك الفترة، دستور 1950 ودستور 1953، تجسيدًا لجهد جاد لتأسيس مؤسسات دولة حديثة، توفر الحريات والحقوق، حتى لو كان الواقع السياسي معقدًا ومتوترًا...

من خبرتي وتجربتي مع هذه المرحلة، أستطيع القول إن قرار الشيشكلي لم يكن سهلاً، لكنه كان صائبًا، فالجيش الذي بناه، المؤسسة التي حرص على تطويرها، لم يُستخدم ضد الشعب، ولم يسفك دماء السوريين، وحافظ على الدولة ومؤسساتها من الانهيار المبكر، فقد كان  الرجل مثالًا نادرًا في التاريخ العربي للقيادة الوطنية، الوطنية الحقيقية ليست في البقاء على السلطة، بل في حماية الشعب والجيش والدولة، حتى لو تطلب ذلك التضحية بالمكانة الشخصية...

ثم جاء الزمن، وتغيرت الأحداث، وظهر بشار الأسد، ليقدّم نموذجًا معاكسًا تمامًا، بينما كان الشيشكلي يرفض مواجهة الجيش بالجيش، اختار الأسد المواجهة المسلحة الداخلية، معتمدًا على القوة والقمع ضد المدنيين، الدم السوري صار ثمنًا للحفاظ على السلطة، والمدن التي كانت تنبض بالحياة – حلب ودرعا ودمشق – تحولت إلى ساحات خراب وتشريد جماعي، وأزهقت مئات الآلاف من الأرواح، وفرّ الملايين من ديارهم...

من تجربتي الشخصية في متابعة الواقع السوري، أعلم أن الشيشكلي اتخذ قراراته بعد دراسة دقيقة وبضمير حيّ، مع مراعاة كل تداعياتها على الجيش والشعب والدولة. أما الأسد، فقد اتخذ قراراته وفق معيار آخر: الحفاظ على السلطة بأي ثمن، حتى لو كلف ذلك حياة السوريين وتشريدهم، وتحطيم مؤسسات الدولة. هنا يظهر الفرق الجوهري: القيادة الوطنية تقوم على المسؤولية، والسلطة الشخصية تقوم على الهيمنة والاستحواذ...

إذا نظرنا إلى التاريخ بعين ناقدة، نجد دروسًا واضحة، فالوطنية ليست شعارات تُرفع في البيانات الرسمية أو الاحتفالات، الوطنية تُقاس بالأفعال، وبمعرفة متى تُستخدم القوة ومتى يمتنع القائد عن استخدامها، الشيشكلي اختار الرحيل حفاظًا على الدم السوري، بينما اختار الأسد البقاء على السلطة مهما كلّف الأمر من تدمير وحروب داخلية...

هذا الفرق ليس مجرد تباين سياسي؛ إنه درس للأجيال السورية كلها: الوطنية الحقيقية تتجسد في حماية الشعب والدولة، لا في الحفاظ على السلطة الشخصية مهما كانت الظروف. الشيشكلي قدّم نموذجًا نادرًا في العالم العربي عن قيادة واعية ومسؤولة، بينما تجربة الأسد أظهرت كيف يمكن للسلطة أن تتحول إلى غاية شخصية، وكيف يصبح القائد بلا ضمير كارثة على الوطن والشعب...

إن أردنا أن نفهم معنى الوطنية الحقيقية، علينا أن نقرأ صفحات شباط 1954، وأن نعيش لحظات القرار التي اتخذها الشيشكلي. علينا أن نرى في قراره درسًا في الشجاعة الأخلاقية، في المسؤولية الوطنية، وفي الأولوية الحقيقية لحياة الشعب...

أما إذا نظرنا إلى تجربة سورية الحديثة مع الأسد، فلن نجد درسًا إلا العكس، القوة بلا ضمير، السلطة بلا مسؤولية، والدم السوري كوسيلة لحماية الحكم، لا الوطن، التاريخ ليس مجرد تواريخ ووقائع، بل مواقف وقرارات، وأخلاق القيادة، وميزان يزن كل جيل بما يقدمه أو يدمّره...
فالشعب السوري اليوم بحاجة إلى أن يتعلم من الماضي، فمن الشيشكلي، أن الوطن فوق الطموحات الشخصية، ومن الأسد، أن غياب الضمير والمسؤولية يحوّل القوة إلى كارثة، هذه المقارنة بين تجربتين ليست مجرد تحليل سياسي، بل مرآة لتقييم كل قائد ومستوى الوطنية التي يحمله في قلبه.