
واشنطن في مرآة الحرب: حين تضيق مساحة “الصفقة” بين الإفراط والتراجع
تبدو السياسة الأميركية تجاه إيران وكأنها تسير على حافة سكين، حيث تتنازعها رغبتان متناقضتان: إظهار الحزم عبر القوة العسكرية من جهة، والبحث عن مخرج تفاوضي يجنّب التورط في حرب طويلة من جهة أخرى. وفي قلب هذه المعادلة يقف ترامب، محاصراً بين خطابٍ سابق بالغ الثقة بقدرة الردع، وواقعٍ أكثر تعقيداً يفرض عليه حسابات مختلفة تماماً عند الاقتراب من لحظة القرار.
ما كان يُقدَّم قبل أسابيع قليلة كمعركة يمكن حسمها بسرعة وبشروط قاسية، يبدو اليوم أقرب إلى مأزق مفتوح بلا نهاية واضحة. فكلما اقتربت واشنطن من تصور اتفاق ما، ارتفعت الأصوات داخل معسكرها السياسي محذّرة من “ثمن التنازل”، وكأن أي تسوية أقل من الاستسلام الكامل من الطرف الآخر تُعد خسارة استراتيجية لا يمكن قبولها.
هذا الانقسام لا يقتصر على الخلاف السياسي التقليدي، بل يعكس خللاً أعمق في تصور طبيعة القوة نفسها. فهناك من لا يزال ينظر إلى الشرق الأوسط بمنطق التفوق العسكري الحاسم، حيث يمكن فرض الإرادة خلال أسابيع. في المقابل، تتراكم خبرات العقود الماضية لتشير إلى أن هذا النوع من الحروب، حين يتعلق بدول متماسكة وقادرة على الاستنزاف، يتحول سريعاً إلى عبء طويل الأمد لا يضمن نتائج سياسية واضحة.
المفارقة أن الضغوط التي يواجهها الرئيس لا تأتي من خصومه فقط، بل من داخل معسكره أيضاً، حيث يتصارع جناحان: أحدهما يدفع نحو التصعيد باعتباره وسيلة لاستعادة الهيبة وإعادة رسم ميزان القوى، والآخر يرى أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يكرر أخطاء سابقة دفعت ثمنها الإدارات المتعاقبة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
في هذا السياق، يصبح “الاتفاق الجيد” مفهوماً غامضاً أكثر منه هدفاً واقعياً. فبالنسبة للبعض، لا يُعد أي اتفاق لا يغيّر جذرياً سلوك الخصم إلا تنازلاً مقنعاً. بينما يرى آخرون أن إعادة إنتاج الوضع القائم، ولو بشكل هش، قد تكون في حد ذاتها إنجازاً إذا كانت البدائل هي التصعيد غير المحسوب.
المشكلة أن هذا الجدل يدور في فراغ من اليقين، إذ لا يبدو أن أي خيار يحمل ضمانة واضحة للنجاح. الحرب الشاملة، كما تشير التجارب، ليست مجرد قرار سياسي بل عملية معقدة تتطلب التزاماً عسكرياً ضخماً وتحمّل كلفة بشرية واقتصادية هائلة. وفي المقابل، فإن التسويات الجزئية غالباً ما تُتهم بأنها تمنح الخصم فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة التموضع.
هكذا يجد صانع القرار الأميركي نفسه أمام معادلة غير مريحة: إما الدخول في مسار تصعيدي قد يتوسع خارج السيطرة، أو القبول بتسوية تُقرأ داخلياً كعلامة ضعف. وبين هذين الخيارين، تتآكل مساحة المناورة تدريجياً.
الأزمة الأعمق هنا ليست في إيران وحدها، بل في طريقة مقاربة واشنطن للصراعات الكبرى منذ عقود، حيث تتكرر الدورة نفسها: اندفاع نحو القوة، ثم صدمة الواقع، ثم بحث متأخر عن مخرج سياسي. وكأن التجربة لا تتحول إلى درس دائم، بل إلى ذاكرة قصيرة المدى يعاد إنتاجها بصيغ مختلفة.
في النهاية، ما يبدو أنه أزمة “قرار” في اللحظة الراهنة، هو في جوهره أزمة رؤية طويلة الأمد لكيفية استخدام القوة وحدودها. وبين من يطالب بالحسم ومن يخشى الانزلاق، تبقى السياسة الأميركية عالقة في منطقة رمادية، لا حرب محسومة فيها ولا سلام مستقر.