--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

وهم الزمن في الحروب… حين تتحول المدة إلى قناع للعجز

Salah Kirata • ١٣‏/٣‏/٢٠٢٦

11428.jpg

 وهم الزمن في الحروب… حين تتحول المدة إلى قناع للعجز

لم يعد السؤال الرئيسي في حرب الشرق الأوسط يتعلق بحدتها، بل مدتها. هكذا تُصاغ العبارة اليوم في كثير من التحليلات السياسية والإعلامية، وكأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراعات الباردة الطويلة التي لا تُحسم، بل تُدار. لكن هذه العبارة، على ما تبدو عليه من حكمة تحليلية، تخفي في جوهرها تبسيطاً مضللاً لجوهر الصراع في الشرق الأوسط، بل وربما تبريراً غير مباشر لعجز القوى الفاعلة عن إنهائه.

فالحروب، في جوهرها، لا تُقاس بالمدة بقدر ما تُقاس بالتحولات التي تُحدثها. التاريخ العسكري والسياسي لا يتذكر طول الحروب بقدر ما يتذكر لحظات الحسم فيها. الحرب العالمية الثانية لم تُعرّف بسنواتها الست، بل بلحظة انهيار برلين. وحرب 1967 في الشرق الأوسط لم تستغرق سوى أيام، لكنها أعادت رسم خريطة المنطقة لعقود. لذلك فإن تحويل النقاش من شدة الحرب إلى مدتها ليس تحليلاً بقدر ما هو هروب من السؤال الحقيقي: هل هناك إرادة للحسم أصلاً؟

في الشرق الأوسط تحديداً، ليست المشكلة أن الحروب طويلة، بل أنها غالباً حروب بلا قرار نهائي. القوى الدولية والإقليمية تدير الصراع أكثر مما تسعى إلى إنهائه. تُضبط إيقاعاته، تُخفض حرارته أحياناً، وتُرفع أحياناً أخرى، وفق حسابات توازن القوى، لا وفق منطق الحسم. وفي مثل هذه البيئة، يصبح طول الحرب نتيجة طبيعية، لا موضوعاً للتحليل.

إن اختزال الصراع في عامل الزمن يوحي وكأن المنطقة دخلت مرحلة من "الحروب المزمنة". لكن الواقع أن معظم هذه الحروب ليست طويلة بالمعنى العسكري التقليدي، بل متقطعة ومؤجلة. هي أقرب إلى سلسلة من جولات الصراع، تتخللها هدنات غير معلنة. وهذا ليس جديداً في تاريخ المنطقة. فالصراع العربي الإسرائيلي، على سبيل المثال، لم يكن حرباً مستمرة منذ عام 1948، بل سلسلة من الحروب القصيرة التي تلتها فترات من التوتر السياسي والعسكري.

ثم إن التركيز على مدة الحرب يغفل عاملاً أكثر أهمية: طبيعة أهداف الحرب نفسها. عندما تكون الأهداف واضحة ومحدودة، تميل الحروب إلى القصر والحسم. أما عندما تكون الأهداف غامضة أو غير قابلة للتحقيق الكامل، فإن الحرب تتحول إلى عملية إدارة مستمرة للصراع. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تُرفع شعارات كبرى لا يقابلها تصور واقعي لنهاية الحرب. هنا تصبح المدة نتيجة طبيعية لضبابية الهدف.

هناك أيضاً بُعد آخر يغيب عن مثل هذه المقولة، وهو أن طول الحرب لا يعني دائماً ضعف حدتها. فالحروب الطويلة قد تكون منخفضة الكثافة، لكنها مدمرة على المدى البعيد. النزيف البطيء في الاقتصاد والمجتمع قد يكون أشد أثراً من ضربة عسكرية خاطفة. لذلك فإن الفصل بين الحدة والمدة ليس دقيقاً؛ فكثيراً ما تكون المدة نفسها شكلاً آخر من أشكال الحدة.

ولعل الأخطر في هذا الطرح أنه يطبع فكرة الاعتياد على الحرب. فعندما يصبح السؤال عن المدة، لا عن النهاية، فإننا نكون قد انتقلنا نفسياً وسياسياً من البحث عن السلام إلى إدارة الصراع. وهذا التحول هو أحد أخطر التحولات في تاريخ النزاعات، لأنه يرسخ فكرة أن الحرب قدر دائم لا يمكن تجاوزه.

إن السؤال الحقيقي في حروب الشرق الأوسط ليس كم ستستمر، بل لماذا لا تُحسم. فالحروب التي لا تُحسم لا تنتهي، بل تتجدد بأشكال مختلفة. وهي تتحول مع الوقت إلى جزء من بنية النظام الإقليمي، لا مجرد حدث عابر فيه.

لهذا فإن المقولة التي تقول إن السؤال لم يعد يتعلق بحدة الحرب بل بمدتها، تبدو للوهلة الأولى ذكية، لكنها في الحقيقة تعكس حالة من الاستسلام التحليلي. فالمشكلة ليست في طول الحرب، بل في غياب القرار السياسي الذي يحدد نهايتها.

وحين يغيب القرار، يصبح الزمن مجرد مسرح تتكرر عليه الفصول نفسها، بينما يظل السؤال الحقيقي معلقاً: من يملك إرادة إنهاء الحرب، لا مجرد حساب سنواتها؟