
روى لي الدكتور فيصل القاسم، الغني عن التعريف والشهير ببرنامجه (الاتجاه المعاكس)، لما كنا أصدقاء، أن الرئيس الهارب بشار الأسد، ومع بداية الأزمة السورية، وقبل أن تتحول إلى حرب أهلية على أساس طائفي ضمن مؤامرة دولية، طلب منه تولي وزارة الإعلام، وأضاف :
"ميزانية مفتوحة، ولا سلطة سواك على وزارة الإعلام "...
وختم الدكتور فيصل قائلاً :
"رفضت طبعا، رفضت..."
وهنا يتضح السؤال المصيري وهو : - لو وافق الدكتور فيصل القاسم، على طلب ( الرئيس ) الأسد وقتها هل كان سيختلف مسار الإعلام السوري خلال سنوات الحرب الأولى؟
لا يخفى على أحد أن قناة الجزيرة كانت من أبرز أدوات التأثير الإعلامي، وساهمت بقوة في تشكيل الرأي العام السوري، خصوصاً على البسطاء والدرويش، الذين يُساقون بالكلمة كما يساق الغنم، هنا تتجلى أهمية الإعلام كجبهة وطنية حقيقية، وليس مجرد أداة نقل للأخبار أو منبر استعراض...
عن نفسي لطالما قلت :
" إنالإنسان ابن بيئته، إلا أنه صار في زمن العولمة ابن وسائل الإعلام المسيطرة عليه"...
وكذا كنت اقول :
"قل أي فضائية تتابع، أقل لك من أنت "...
لأؤكد بعد كل ماقلت اعلاه أن ما رأيته مؤخراً من نشر صور عدد من السوريين يتوسطهم الدكتور فيصل، ومن نشر هنا يتصدى لقراءة الرأي العام السوري، وما نشره برأيه أنه استبيان لكن شغل ( سوق الجمعة ) لتحديد من هو الأصلح لتولي وزارة الإعلام السورية، يعيد إلى الأذهان حجم المسؤولية الكبرى لهذا المنصب، ومدى خطورته على الرأي العام إذا وقع في أيدي غير مؤهلة، أو غير واعية لطبيعة المرحلة والتحديات..
وبصفتي مراقباً ومحللاً أزعم الاختصاص والمعرفة وطبعا بحدود ما اقول أرى ما يلي :
- وزارة الإعلام لا تقل أهمية عن وزارات الدفاع والخارجية والداخلية، وتأثيرها على الأمن القومي والسياسي والاجتماعي مباشر وحاسم...
- في العهد الحالي، تقدم واجهات شغل المناصب الحساسة الولاء على الخبرة، وهذا خطأ استراتيجي خصوصاً في مناصب ومنها الإعلام، حيث الكلمة قد تكون أداة حرب أو جبهة مواجهة...
- الاختيار غالبا مايكون بناءً على الانتماءات الطائفية أو الجهادية أو الفكرية المتطرفة، كما يحدث أحياناً، وهذا يزيد من المخاطر على وحدة المجتمع واستقراره...
ولأختم مع الدكتور فيصل متسائلا رغم رفضه وهو من قال لي يوما وكنت في سيارته الفارهة:
( هل تستطيعون اعطائي سيارة افضل من سيارتي هذه )...
اعود السؤال :
- هل ما زال مناسبا لتولي منصب وطني حساس، بعد حلقة الأسبوع الماضي؟
- الحلقة التي عزف فيها الزعبي على عواطف السوريين، مستثيراً غرائزهم بشكل مقيت، ومحرضاً على الانقسام بطريقة مرعبة وخطيرة؟..
أقسم بالله :
ما قام به الزعبي كان لجهة "ما يفرق" على حساب "ما يجمع"، وهو ما نحتاجه اليوم وأقصد ما يجمع كما نحتاج لقمة الخبز وحبة الدواء، واعتقد أنه لا يجوز بأي حال أن يكون للزعبي أي ظهور على أي فضائية بعد ظهوره الأول والذي يجب أن يكون الأخير في الحزيرة في الاتجاه المعاكس وفي اي وسيلة إعلام مهنية؛ فالسماح له بالاستمرار يعني مزيداً من الفوضى الإعلامية، وإثارة الانقسامات، وزعزعة الرأي العام في لحظة تحتاج فيها سورية إلى الحكمة والوعي...
أجزم:
إن حلقة الأسبوع الماضي كانت كارثية بكل المقاييس، ليس فقط على البرنامج، بل على سورية كلها، وعلى معظم السوريين، وعلى الدكتور فيصل شخصياً، الذي نحترمه ونعرف حجم وعيه ونزاهته.
لكن عتبنا على الدكتور فيصل هو عتب الحريص والمحب، الذي يتمنى أن يبقى على قدر المسؤولية الوطنية، وأن يظل برنامج الاتجاه المعاكس منبر تحليل موضوعي، وأداة للوعي والتفكير، لا منصة لإثارة الانفعالات والتحريض على الانقسامات... فالإعلام في هذه المرحلة ليس مجرد وظيفة، بل جبهة وطنية، ومن يملك هذه الجبهة يجب أن يكون على قدر التحدي، حاملاً الخبرة، والوعي، والنزاهة، والمسؤولية التاريخية التي تتطلبها المرحلة.