
ظل الإمارة، ظروف اغتيال الزعيم اللبناني والعربي الاصيل كمال جنبلاط:
في السادس عشر من آذار عام 1977، انطفأت شمعة كمال جنبلاط، الرجل الذي حمل تاريخ جبل لبنان كله على كتفيه، الزعيم الذي حاول أن يكتب مصير شعبه بنفسه رغم القيود الطائفية والسياسية، ورغم التاريخ الطويل من الحروب والخيانة والتقلبات التي شهدتها أرض الشوف. كان في طريقه من المختارة إلى بعقلين حين اعترضته رصاصات مجهولة، وراودته النهاية التي طالما حذرته الأيام منها، والاتهامات أخذت تتنقل بين بغداد ودمشق، وعقود بعد ذلك، وجه نجله وليد أصابع الاتهام نحو المخابرات السورية، محددًا اللواء إبراهيم حويجة المسؤول عن النهاية المفجعة لوالده.
تاريخ كمال جنبلاط لم يكن مجرد سيرة رجل أو حزب سياسي، بل تاريخ لبنان نفسه، تاريخ المنطقة بأكملها، تاريخ الدم والمصالح والمذاهب المتداخلة. تعود جذور عائلته إلى الأمير جانبولاد بن سعيد الكردي، الذي حكم معرة النعمان وحلب وكلس ووصل نفوذه إلى لواء إسكندرون. جاء جانبولاد من حلب إلى بيروت بعد مقتل جده حسين سنة 1630 واستقر في الشوف، وهناك، كما كان يذكر كمال، بدأت الأسرة في صنع تاريخها، يتزايد نفوذها عامًا بعد عام، وتتشابك مع الأحداث الكبرى التي أعادت تشكيل الجبل والبلاد. لم يعرف على وجه الدقة متى اعتنقت العائلة المذهب الدرزي، لكن الصراعات بين الإقطاعيين والدروز أرسى مكانتها، ومعركة عين دارة في 1711 بين الفرعين القيسي واليماني، كانت بمثابة حجر الأساس للنفوذ الجنبلاطي، بينما جرى تهجير اليمانيين إلى جبل العرب في حوران.
تولى الشيخ علي جنبلاط حكم مقاطعة الشوف سنة 1712، وتلاه ابنه قاسم، واستمر زخم الأسرة حتى تنصر الأمير يوسف الشهابي عام 1770، ما منح الموارنة قوة جديدة وأدى إلى تراجع النفوذ الدرزي، وتم القضاء على الشيخ بشير جنبلاط ونفي الأسرة الحنبلاطية من الشوف، لتدخل المرحلة الأولى من تغيّر توازنات السلطة في جبل لبنان. وما بين ذلك و1860، كانت الصراعات الطائفية تزداد، فرنسا تدعم الموارنة، والنظام المتصرفي يستبعد الدروز من أي دور سياسي، قبل أن يعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920، لتبدأ مرحلة جديدة، تضع عائلة كمال جنبلاط أمام تحديات الانتداب والسياسة الداخلية.
وسط كل هذا، تربت نظيرة جنبلاط، والدة كمال، على حماية زعامة الدروز، متحالفة مع العائلات الأرستقراطية وقوات الانتداب الفرنسي، حتى صعد ابنها إلى الساحة السياسية. أسس كمال الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1949، وتحالف أحيانًا مع كميل شمعون، وأحيانًا مع جمال عبد الناصر، وتقلد المناصب، بما فيها وزارة الداخلية، ليصبح أعلى منصب يبلغه الدروز في تاريخ لبنان الحديث. لكن طموحه لم يتوقف عند ذلك؛ كان يرى في الإمارة حلمه التاريخي، حلم الانتقام من الموارنة واستعادة الشوف كمركز قوة الدرزية.
مع الحرب الأهلية اللبنانية في نيسان 1975، تحالف جنبلاط مع القوى الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكان يرى أن التاريخ يمنحه فرصة استعادة ما فقده أجداده، لكنه واجه صخرة الوجود السوري في لبنان، إذ أن دخول القوات السورية في حزيران 1976 أغلق أمامه الطريق، وكانت آخر زيارة له إلى دمشق، السجن الكبير كما سماها، مواجهة صعبة مع القيادة السورية استمرت سبع ساعات، لتتضح قطيعة جنبلاط مع دمشق، وليدرك أن الأحلام الإمارتية ستظل حبيسة حدود الطائفية والدستور اللبناني، وأن دمشق لن تسمح له بتحقيق الانتقام التاريخي.
ثم جاءت المصالحة السورية-المصرية في قمة الرياض في تشرين الأول 1976، لتزيل آخر ذرة أمل. السياسة الإقليمية أعطت دمشق الغطاء، وبددت أي فرصة ليعيد تشكيل لبنان وفق رؤيته. وفي صباح 16 آذار 1977، وبينما الطريق كان مفتوحًا أمامه بين المختارة وبعقلين، توقفت الحياة عنده فجأة، تاركة خلفه إرثًا من الزعامة والطموح، وغصة التاريخ التي ترافق الدروز واللبنانيين على حد سواء، وأصوات من سيأتي بعده لتذكر بأن لبنان لم يكن يومًا أرض عدل، وأن الطموح الشخصي لا يستطيع أن يصمد أمام ثقل القوى الإقليمية والتاريخ الطويل، تاركًا كل شيء بين خيوط السياسة، الدم، والرصاص، الذي كتب النهاية كما كتب التاريخ لنفسه.