
ظل الوحدة ودمشق المقتولة
في صباح الثاني والعشرين من شباط عام 1977، كانت شوارع دمشق تتوشح بالضباب الخفيف، والنسيم البارد يحمل رائحة المطر الذي لم يأتِ بعد. المدينة تبدو هادئة، لكنها كانت على موعد مع لحظة ستحفر في ذاكرتها لعقود. أمام مكتب رئيس جامعة دمشق، خلف مشفى الغرباء في البرامكة، خرج الدكتور محمد الفاضل الناصري العلوي من سيارته. رجل القانون الذي قضى حياته في الدفاع عن الحق، كان يتجه إلى مكتبه، غير مدرك أن هذا الصباح سيصبح يوم اغتياله. الرصاص انطلق بلا رحمة، ودامت لحظات قصيرة لكنها كافية لتتوقف الحياة عند الرجل الذي كان رمزًا للعلم والناصرية والوحدة.
ولد الفاضل عام 1919 في قرية عين الجاش، بين سهول طرطوس، في بيت تميز بالعلم والاجتهاد. تعلم القراءة والكتابة في قريته، ثم انتقل إلى طرابلس اللبنانية ليكمل تعليمه. سرعان ما برزت ذكاءه وحسه القانوني، فدرس الحقوق في الجامعة السورية بدمشق وتخرج عام 1942. بعد ذلك، أرسله النظام السوري أيام حسني الزعيم إلى باريس، حيث نال الدكتوراه في القانون، عائدًا إلى دمشق ليصبح مدرسًا في معهد الحقوق، حيث تعرف على أستاذه مصطفى السباعي، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين، وتوطدت علاقته بهم أكثر بعد زواجه من فريزة العجلاني، قريبة السباعي.
على الرغم من قربه من بعض رموز الجماعة، ظل الفاضل رجلًا مستقلًا، لا ينتمي إلى أي لعبة سياسية خفية. عُيّن عميدًا لكلية الحقوق عام 1964، ووزيرًا للعدل في حكومة صلاح الدين البيطار عام 1966، ممثلًا للقوى الناصرية، بترشيح من اللواء محمد عمران، الرجل الذي كان مرتبطًا بالنظام السوري منذ عهد الوحدة مع مصر.
في عام 1976، أصبح الفاضل رئيسًا لجامعة دمشق، وصار صوته يمثل القانون والديمقراطية الأكاديمية وسط نظام يغلب عليه التسلط والسيطرة المطلقة. لكن استقلاليته ونزاهته جعلاه هدفًا واضحًا في أعين السلطة، التي رأت فيه تهديدًا للقاعدة الصلبة التي أسسها الأسد، قاعدة تستند على الولاء الطائفي لا على الكفاءة أو القانون.
مع اغتياله، تحركت آلة الدولة بسرعة. أُلقي باللوم على العراق وجماعة الإخوان، وأُعدم رائد الحوراني وزميله بعد محاكمة أمام محكمة أمن الدولة العليا، برئاسة فايز النوري، فيما بُثّت وقائع المحكمة على التلفزيون، كرسالة لكل من يجرؤ على تحدي السلطة.
على مدار السنوات، حاولت روايات مختلفة تفسير الحادث. بعد سنوات، صدر كتاب عن الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين بعنوان “ثرى دمشق”، يتبنى مسؤولية الاغتيال، لكنه احتوى على تناقضات واضحة: نسب الفاضل للباعثيين، وزعم أنه كان عضوًا في القيادة القومية، بينما كان محسوبًا على الناصريين، ومن بيئة مؤيدة لجمال عبد الناصر. حتى أيمن شربجي، الذي ادعى مراقبته للفاضل شهرًا كاملًا، أخطأ في التاريخ، ليؤكد أن الروايات الرسمية وغير الرسمية غالبًا ما تختلط فيها الحقيقة بالخيال، أو تُسوّق بحسب المصلحة.
في الواقع، كانت الحقيقة واضحة عند من عرفوا الفاضل: اغتياله جاء من قلب النظام نفسه. كما أكد حمود الشوفي، عضو القيادة القومية الأسبق، حين رأى أن الأسد قتل الفاضل واللواء محمد عمران، لأنهما شكلا تهديدًا للسلطة، لقوة شخصيتيهما المستقلة، ولأسلوبهما الذي كان يستند على كفاءتهما ومبادئهما وليس الولاء الطائفي فقط.
دمشق، التي اعتادت على صمت الرصاص تحت ستار الدولة، شهدت في ذلك اليوم كيف يمكن للعلم والنزاهة أن يصطدموا بالسلطة الوحشية. ظل اسم محمد الفاضل علامةً على تضحية الفكر المستقل، وعلى هشاشة العدالة أمام آلة قمع لا تعرف الرحمة. كان الثاني والعشرون من شباط ليس مجرد تاريخ اغتيال رجل، بل يوم انعكست فيه جميع أوجه الظلم السياسي في سورية، يوم اختلطت فيه الوحدة الوطنية بالدماء، والحقيقة بالمصلحة، والعدل بالخوف.
وبين صرخات الرصاص وهمسات المدينة، بقيت ذكراه حية، شاهدة على أن الحرية الفكرية لا يمكن أن تسير بلا ثمن، وأن القوة الحقيقية لا تأتي من الرصاص، بل من الوقوف أمام الظلم رغم كل التهديدات.