ظلال السارين:

في سنواتٍ كانت فيها البلاد تعيش تحت ثقل قبضةٍ أمنيةٍ صارمة، حيث يتداخل الخوف مع الصمت وتصبح الشائعات جزءاً من الحياة اليومية، ترددت حكاياتٌ همساً عن ضباطٍ في سلاح الجو بدأوا يفكرون بما لا يُفكَّر فيه علناً: كسر المعادلة القائمة داخل دولةٍ كانت قد تشكلت منذ استقرار حكم حافظ الأسد، حيث تداخلت السلطة مع الأجهزة الأمنية والجيش في بنيةٍ واحدةٍ يصعب اختراقها أو حتى الاقتراب منها دون أن تُكتشف النوايا قبل أن تتشكل.
كانت تلك المجموعة من الضباط، وفق ما يُروى في شهادات لاحقة، تنتمي إلى بيئة عسكرية تعرف جيداً تفاصيل القوة ونقاط ضعفها، وتتحرك داخل شبكةٍ معقدة من الولاءات والرقابة. ومع مرور الوقت، بدأ التفكير يتحول من همسٍ في الغرف المغلقة إلى تصورٍ أكثر جرأة، في لحظة تاريخية اتسمت بالاضطراب في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات، حين كانت البلاد تعيش توترات داخلية وصدامات أمنية متفرقة، وتتعاظم فيها قبضة الأجهزة التابعة للدولة.
لكن هذا المسار، كما تقول الروايات، لم يكتمل. فقد تسربت المعلومات في لحظةٍ وُصفت بأنها "وشاية"، لتبدأ بعدها سلسلة اعتقالات واسعة طالت الضباط المتورطين، حيث جرى جمعهم بسرعة لافتة، وكأن الخطة بأكملها كانت مرصودة منذ بدايتها. وهناك، داخل أقبية التحقيق التابعة للمؤسسة الأمنية الأكثر حساسية في البلاد، بدأت فصولٌ من الاستجواب القاسي، حيث تتحدث شهادات ناجين عن أساليب ضغط جسدي ونفسي شديدين، كانت تهدف إلى تفكيك الشبكات وكشف كل خيوط التنظيم.
وفي قلب هذا المناخ، تبرز روايات أكثر قتامة، تتجاوز حدود التحقيق التقليدي إلى ما يشبه المختبر المغلق. تُروى قصة نقل عدد من المعتقلين من أماكن احتجازهم إلى منشآت عسكرية، حيث خضعوا لفحوصات طبية دقيقة، وأُعطوا أوهاماً قصيرة الأمد عن قرب الإفراج عنهم، قبل أن يُساقوا إلى مواقع نائية في البادية السورية، حيث تمت تجارب يُقال إنها شملت استخدام غازات سامة، من بينها غازات أعصاب شديدة التأثير.
تصف بعض الشهادات مشاهد انهيار إدراكي حاد لدى من تعرضوا لتلك المواد، حيث اختلط الإدراك بالهلوسة، وفقد بعضهم القدرة على التمييز بين الواقع والصوت والصورة، في بيئة مغلقة صُممت بحيث تُراقب فيها ردود الفعل بدقة من خارجها، عبر نوافذ أو فتحات مراقبة، بينما يقف مسؤولون عسكريون وأمنيون في الخلفية يسجلون ما يحدث دون تدخل مباشر. وفي تلك الحكايات، يتكرر حضور أسماءٍ مرتبطة بالمؤسسة الأمنية والعلمية في تلك المرحلة، باعتبارها جزءاً من منظومة القرار والتنفيذ داخل الدولة.
سواء كانت هذه التفاصيل كاملة أو منقوصة أو محكومة بزاوية نظر الشهود، فإنها تنتمي إلى سياق أوسع من تاريخٍ مثقلٍ بالصراع الأمني والسياسي في سوريا تحت حكم Hafez al-Assad، حيث كانت الدولة في تلك المرحلة تميل إلى إدارة التهديدات الداخلية بمنطقٍ أمني شديد الصرامة، امتزج فيه الصراع السياسي مع أدوات الاعتقال الطويل والتحقيقات القاسية، كما يروي العديد من المعتقلين السابقين.
وفي نهاية المطاف، تُختزل هذه الحكايات في مصائر أفرادٍ وجدوا أنفسهم داخل دوائر مغلقة من التحقيق والسجن لسنوات طويلة، امتدت في بعض الحالات إلى أكثر من عقد ونصف، قبل أن يخرجوا إلى حياةٍ أخرى لا تشبه ما قبلها، محمّلين بذاكرةٍ لا تهدأ عن زمنٍ كانت فيه الحقيقة نفسها تُروى همساً، وتُدفن أحياناً قبل أن تُقال كاملة.