--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ظلال انقلاب ١٩٦٦ في سورية

Salah Kirata • ٢٣‏/٢‏/٢٠٢٦

250px-Amin_al-Hafez_1965.jpg

ظلال الانقلاب: دمشق 1966

دمشق، في شتاء 1966، كانت تخفي في زواياها أصداء صراع طويل، صراع لم يكن مجرد نزاع سياسي، بل كان معركة على النفوذ والسلطة، على الولاءات والطوائف، على القلوب والعقول. الشوارع الضيقة المتعرجة، البازارات القديمة، والمنازل المزخرفة على التلال، كانت شاهدة صامتة على شبكة من التحالفات والانقسامات التي تشابكت حتى اختلطت فيها السياسة بالعاطفة، والولاء بالمصلحة. في هذا العالم المضطرب، جلس الرئيس #أمين_الحافظ في قصره الجمهوري على تلة أبي رمانة، محاطًا بالخرائط والرسائل، يحاول فهم شبكة الولاءات المعقدة التي تحيط به، وكأنه يقف على حافة هاوية لا يرى نهايتها.

الحافظ، المسلم السنّي من أصول دمشقية، كان يعلم أن الجيش والقوى السياسية هما حجر الزاوية في بقائه. القيادة القومية للحزب، التي كانت مسؤولة عن شؤون الحزب في الداخل والخارج، جمعت بين شخصيات متنوعة: المسيحي ميشيل عفلق، الرجل المؤسس للحركة القومية السورية، الذي رغم مسيحيته كان يتمتع بمكانة معنوية قوية؛ الدروز شبلي العيسمي ومنصور الأطرش، اللذين جمع بينهما ولاء عشائري وتاريخ سياسي طويل؛ العلويون في مواقع القوة العسكرية مثل وزير الدفاع #محمد_عمران، و#صلاح_جديد و#حافظ_الأسد و#إبراهيم_ماخوس، الذين بدأوا يرسّخون مكانتهم في الجيش ويشكلون قوة خاصة بهم.

كانت هذه الوحدة الظاهرية قائمة على اتفاقات هشة، ومصالح متقاطعة، ونزاعات شخصية لم تظهر للعلن بعد. النزاعات بدأت مع محاولات إبعاد ميشيل عفلق عن القيادة القومية، حيث تلقى الحافظ ضغوطًا مباشرة من العراق لإقالته، وهو ما رفضه بشدة، مؤكدًا أن بقاء عفلق هو استمرارية للحزب ونظامه القومي. هذا الرفض أدى إلى توتر العلاقة بين الحافظ والقطريين، خصوصًا ضباط القيادة القطرية السابقة، الذين شعروا بأن فرصتهم للسيطرة على الدولة بدأت بالانغلاق.

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في ديسمبر 1965، قام الحافظ بحل القيادة القطرية، وأعلن في يناير 1966 حكومة جديدة برئاسة #صلاح_البيطار، ضمّت قيادات سنية بارزة من الجيش: اللواء #نور_الدين_الأتاسي وزير الداخلية، اللواء #أحمد_السويداني مدير المخابرات، المقدم #مصطفى_طلاس، المقدم #محمد_رباح_الطويل قائد فوج المدفعية بالقطيفة، والمقدم #محمد_الزعبي، إضافة إلى وزراء سابقين مثل يوسف زعين. هؤلاء جميعًا، على الرغم من ولائهم للحافظ من الناحية الرسمية، كانوا يحملون ضغائن قديمة ويشكلون قوة مضادة في صفوف الجيش.

في الوقت ذاته، كان العلويون الثلاثة، #صلاح_جديد، #حافظ_الأسد، و#إبراهيم_ماخوس، يشكلون قيادة قطرية حقيقية داخل الجيش، رغم أن قوتهم محدودة مقارنة باللواءات السنية الكبرى. وكان اللواء 70 في الكسوة يضم حوالي 60% من عناصره تحت سيطرتهم، مع ثلاث كتائب أساسية يقودها ضباط موالون لهم. سلاح الطيران بقيادة نائب سني، #ناجي_جميل، أعاق أي محاولة علوية للانقلاب وحدها، بينما كان اللواء 72 في #قطنا والفوج المدفعي في القطيفة يشكلان قوة المسلمين السنة، أقوى من قوة اللواء 70 في الكسوة.

في هذه البيئة المشتعلة، بدأت التحركات السرية. الضباط السنة، مثل #أحمد_السويداني و#مصطفى_طلاس و#نور_الدين_الأتاسي، بدأوا بالتحالف مع العلويين الذين شعروا بالإقصاء، لتشكيل قوة مشتركة قادرة على قلب الطاولة. تم إبعاد بعض الضباط الرئيسيين عن دمشق، بينما بقي #صلاح_جديد و#حافظ_الأسد على اتصال مباشر بمراكز القوة في العاصمة. رئيس الأركان #محمد_شنيوي رفض الانصياع مباشرة للأوامر الجديدة، لكن الأمر كان محسوبًا بدقة.

في الأيام التي سبقت الانقلاب، كانت دمشق مدينة منقسمة. حركات الجيش في الأحياء، تجمعات الضباط في المعسكرات، الاجتماعات المغلقة في القصور، كانت كلها جزءًا من شبكة من التحركات والتكتيكات الدقيقة. الضباط السنة في اللواء 72 والفوج المدفعي، مع اللواء الخامس بحمص والكتائب المدفعية في قاسيون، كانوا يراقبون كل تحرك للعلويين والدروز، في الوقت الذي كان فيه الحافظ يحاول الحفاظ على التوازن بين الولاءات. كان وزير الداخلية نور الأتاسي وقائد الشرطة العسكرية حسين ملحم، ورئيس الأركان محمد شنيوي، يشكلون جسمًا إداريًا وعسكريًا كبيرًا، قادرًا على التأثير على الجيش، إلا أن التخطيط للانقلاب كان متقنًا بحيث يستغل كل ثغرة.

وفي فجر 23 شباط 1966، وصلت الأمور إلى ذروتها. بينما كان الحافظ ووزير دفاعه محمد عمران يحاولان إصلاح شجار بين ضباط الجبهة، انطلقت قوات الانقلاب: #أحمد_السويداني من معسكر القابون مع اللواء 70، فوج المغاوير، وقوة من معسكر حرستا نحو القصر الجمهوري. الاشتباكات كانت محتومة، وأدى ذلك إلى إصابة ابن الحافظ أيمن وابنته شذى، بينما كان الحافظ نفسه يركض عبر شوارع أبي رمانة وصولًا إلى الصالحية والمستشفى الطلياني، حيث استسلم حوالي الساعة السادسة والنصف صباحًا، ونُقل بدبابة إلى معسكر القابون.

سقوط الحافظ لم يكن مجرد تغيير في رأس السلطة، بل كان بداية حقبة جديدة من الصراعات داخل الجيش، بين الأقليات والسنّة، بين الولاءات القديمة والمصالح الجديدة، بين القوى العسكرية والسياسية. الانقلاب كشف هشاشة التحالفات السابقة، وأظهر أن السيطرة على الجيش ليست مجرد مسألة قوة، بل مسألة مؤامرة دقيقة وتخطيط مسبق.

في أعقاب الانقلاب، بدأت مرحلة تصفية الضباط السنة، وإعادة ترتيب الولاءات داخل الجيش. العلويون عززوا موقعهم تدريجيًا، متحدين مع بعض السنّة الموالين للتغيير، مثل مصطفى طلاس ونور الأتاسي، لإعادة صياغة المشهد العسكري والسياسي في سوريا. دمشق نفسها لم تعد كما كانت، فقد أصبحت مدينة يعيش أهلها في ظل السياسة والقوة العسكرية، حيث الظل والنور يتداخلان، والمصالح الطائفية والشخصية تتحرك في شبكة معقدة تحدد مستقبل البلاد لعقود مقبلة.