--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

أعطني الناي وغنِّ: حين يصبح الهروب إلى الطبيعة خلاصًا من ثقل الإنسان

نُشر في ٣‏/٤‏/٢٠٢٦، ٣:٢٨:٥١ م

18341.jpg

أعطني الناي وغنِّي: حين يصبح الهروب إلى الطبيعة خلاصًا من ثقل الإنسان

في هذه الأبيات المنسوبة إلى جبران خليل جبران، لا نقرأ شعرًا عن الناي فحسب، بل نقرأ بيانًا وجوديًا كاملًا عن رفض العالم كما هو، والبحث عن حياة أخرى تُستعاد فيها بساطة المعنى قبل أن تفسده المدن، والقصور، والناس، واللغة الثقيلة التي تراكمت فوق الروح حتى اختنقت.

“أعطني الناي وغنِّ فالغنى سر الوجود
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود”

منذ البداية، يضع جبران (أو الروح الجبرانية في النص) ثنائية حادة: الغنى المادي في مقابل “غنى الوجود”. هنا يتحول الناي إلى أكثر من آلة؛ يصبح وسيلة للنجاة من العالم. فالناي لا يصرخ، بل “يئن”، وكأن الألم نفسه صار موسيقى، وكأن الحقيقة لا تُقال إلا بصوت مكسور.

ثم ينتقل الخطاب من التأمل إلى التحدي الهادئ:

“هل اتخذت الغاب مثلي منزلاً دون القصور
فتتبعت السواقي وتسلقت الصخور”

هذا ليس سؤالًا بريئًا، بل محاكمة للعالم الذي اختار القصور بدل الغابة، والازدحام بدل العزلة. الغابة هنا ليست مكانًا جغرافيًا، بل حالة صفاء، حيث لا وسطاء بين الإنسان والحقيقة. في هذا السؤال يظهر جبران كمن يضع القارئ أمام امتحان بسيط لكنه قاسٍ: هل عشت الحياة أم عشت صورتها الاجتماعية؟

ثم تتصاعد اللغة نحو حالة من الانبهار الحسي بالطبيعة:

“هل تحممت بعطر وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمراً في كؤوس من أثير”

هنا يخرج النص من الواقع إلى ما يشبه الرؤيا. الطبيعة لا تُرى فقط، بل تُعاش بكل الحواس حتى تصبح الخيالات أكثر واقعية من الواقع نفسه. “شربت الفجر خمراً” ليست مجرد صورة شعرية، بل إعلان عن نشوة وجودية، عن لحظة يصبح فيها الإنسان غير محتاج لأي وسيط ليفهم العالم.

ثم تأتي الذروة التأملية في البساطة:

“هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب
والعناقيد تدلت كثريات الذهب”

إنها لحظة انصهار الإنسان في المشهد الطبيعي دون رغبة في امتلاكه. العنب ليس محصولًا، بل كائن حي يتدلى كأنه ضوء متجسد. هنا تتحول الطبيعة إلى معلم، والإنسان إلى متأمل صامت يتعلم كيف يكون بسيطًا بعمق.

لكن الفكرة الأعمق تتجلى في التحول الوجودي الكامل:

“هل فرشت العشب ليلاً وتلحفت الفضاء
زاهداً في ما سيأتي ناسياً ما قد مضى”

هذا هو قلب الفلسفة الجبرانية في النص: التخلي. ليس كفعل سلبي، بل كتحرر من ثقل الزمن نفسه. لا ماضٍ يُجرّ، ولا مستقبل يُخاف منه. فقط لحظة الحاضر، عارية من كل شيء إلا الوجود.

وفي النهاية، يصل النص إلى حكمته الكبرى:

“أعطني الناي وغنِّ وانسَ داء ودواء
إنما الناس سطورٌ كتبت لكن بماء”

هنا يتحول الإنسان من كائن يظن نفسه صلبًا وثابتًا إلى كتابة هشة على صفحة قابلة للذوبان. “بماء” ليست إهانة للإنسان، بل تذكير بضعفه الجميل: أننا لسنا حجارة، بل أثر مؤقت. ومن هنا يصبح الغناء ليس ترفًا، بل طريقة لتقبل الفناء دون خوف.

إن جوهر هذه القصيدة هو دعوة إلى الانسحاب من ضجيج العالم لا كفرار، بل كعودة إلى الأصل. جبران لا يدعو إلى كراهية الناس، بل إلى رؤيتهم من مسافة تجعلهم أقل قسوة، أقل ادعاءً بالثبات، وأكثر قربًا من حقيقتهم الهشة.

في النهاية، “أعطني الناي وغنِّ” ليست قصيدة عن الغابة، بل عن الإنسان حين يتعب من أن يكون شيئًا أكثر مما يستطيع أن يحتمل… فيختار أن يكون مجرد نغمة، تمضي، وتبقى في الذاكرة كأثر جميل لا يُمسك.