
دمشق…
ليست مجرد مدينة في الذاكرة، بل هي اللحظة التي بدأ فيها كل شيء: الوعي، والانتماء، والقدرة على الحب رغم كل ما يثقل القلب، في حضنك تعلّمنا أن الوطن لا يُعرَّف بحدوده، بل بما يتركه فينا من أثرٍ لا يزول...
فيكِ وجوهٌ لا تُنسى، عيونٌ حملت دفء القرب وقلق الأيام معًا، وكأنكِ جمعتِ في ناسكِ ملامح الفرح وتعبه، وأعطيتِ لكل من مرّ بكِ جزءًا منكِ لا يمكن أن يُسترد، لذلك لا يعود الحنين إليكِ حنينًا إلى مكان، بل إلى أنفسنا كما كنا فيكِ...
وأنتِ، يا مدينة التناقض الجميل، لم تعدينا يومًا بحياة سهلة، لكنكِ منحتِنا ما هو أعمق:
القدرة على احتمال الألم دون أن نفقد المعنى، وعلى حمل الهمّ دون أن نخسر الكرامة، فيكِ يصبح الحزن أكثر نقاءً، ويغدو الصبر شكلًا من أشكال الوفاء...
وفي ذكرى عيد الجلاء، لا نقف عند حدود التاريخ، بل نعود إلى ذلك العهد الخفي الذي وُلد بيننا وبينكِ… عهدٌ لم يُكتب على الورق، بل خُطَّ في القلوب:
أن نبقى أوفياء لكِ، لا لأنكِ تمنحيننا الطمأنينة، بل لأنكِ تستحقينها...
أن نحملكِ فينا كما حملتِنا، وأن نصون صورتكِ حتى حين تتعب الملامح.
أن لا نساوم عليكِ، مهما اشتدّ الضيق، ومهما طال الطريق...
هذا العيد ليس ذكرى انتصارٍ مضى، بل اختبارٌ مستمر:
- هل ما زلنا على قدر الحب الذي ربطنا بكِ؟..
- هل ما زلنا نراكِ كما يجب أن تُرى الأوطان… لا كما تفرضه الظروف؟..
دمشق…
نجدّد لكِ العهد:
أن نظلّ لكِ، كما كنتِ لنا… دائمًا.