
الكهرباء بين عبء الفواتير وأمل الاستثمار: قصة قطاع يئن تحت الضغط
في كثير من البيوت السورية، أصبح صوت العداد الكهربائي مصدر قلق دائم. فمع ارتفاع الفواتير إلى مستويات غير مسبوقة، يجد أغلب المواطنين أنفسهم أمام خيار واحد: تقليص الاستهلاك إلى الحد الأدنى، أو مواجهة فواتير لا يمكن تحملها. في بلد تزيد فيه معدلات الفقر عن 90%، لا يحتاج المرء إلى خبير اقتصادي ليعرف أن هذه الأسعار لن تمر مرور الكرام، وأن الطلب على الكهرباء سينهار تقريباً إلى النصف.
هذا الانخفاض في الاستهلاك يفسر جزئياً تحسن ساعات التغذية، فقد أصبح الضغط على الشبكة أخف، لكن هذا التحسن الظاهري لا يعكس قدرة إنتاجية أعلى، بل هو نتيجة تراجع الطلب. كل ضغطة مفتاح كهربائي مطفأة، وكل غسالة أو مكيف لم تُشغّل، هي جزء من هذا الانكماش القسري في الاستهلاك.
لكن المشكلة، كما يراها البعض، ليست في عدد محطات التوليد. فالمحطات القائمة قادرة على تلبية الطلب الحالي لو توفرت لها كميات كافية من الغاز لتشغيلها. وهنا تكمن المفارقة: مشاريع استثمارية ضخمة لشركات أجنبية تدخل القطاع، بينما الحل ربما يكون أبسط، وأقرب، في استعادة وتطوير حقول النفط والغاز في الشمال السوري، مما يمكّن المحطات القائمة من العمل بكفاءة أعلى ولساعات أطول دون الحاجة لرأس مال خارجي باهظ.
ورغم ذلك، هناك من يرى أن الاستثمار الأجنبي يمكن أن يكون فرصة لتحديث الشبكة، وتقليل الفاقد الفني، وإدخال تقنيات توليد أكثر كفاءة، وربما تشجيع مصادر الطاقة المتجددة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل من المنطقي توقيع عقود استثمارية طويلة الأجل عندما يبقى الفاقد وإشكالية الوقود هي العقبة الحقيقية؟
وبين التعرفة المرتفعة، ونقص الوقود، والانكماش القسري في الاستهلاك، يبدو أن قطاع الكهرباء السوري يعيش حالة من التوازن الهش. الحلول ممكنة، لكنها تتطلب رؤية متكاملة: هيكلة التعرفة بما يحمي الأسر الأقل دخلاً، تأمين الوقود عبر تطوير الحقول المحلية أو عبر عقود مستقرة، تشجيع الطاقة الشمسية اللامركزية، وتحسين الإدارة لضمان شفافية وفعالية أكبر.
في النهاية، قصة الكهرباء في سوريا ليست مجرد أرقام وفواتير، بل هي قصة حياة الناس اليومية، وهي صراع مستمر بين الحاجة الملحة للطاقة، وقدرة المواطن على تحمل تكاليفها. والقرار الذي سيُتخذ اليوم سيحدد ما إذا كان القطاع سيمر بأزمة مؤقتة أم أن المواطنين سيظلّون أسير فواتير تفوق طاقتهم، في انتظار حلول قد لا تأتي إلا بعد سنوات.