--:--
عراقجي ؛ اجلنا مناقشة الملف النووي والعقوبات للمرحلة الثانية من المفاوضات خلال ٦٠ يوما عراقجي : يتعهد الطرف المقابل بعدم استخدام القوة، ويتعهد الطرفان باحترام السيادة الوطنية عراقجي : مذكرة التفاهم ستشمل نصا صريحا فيما يتعلق بلبنان عراقجي : إنهاء الحرب يعني انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان واوضحنا ذلك بشكل صريح
الثقافة والفن

المقدّس في النفس البشرية... بين الحاجة الوجودية وبنية العمق الداخلي

نُشر في ١٢‏/٦‏/٢٠٢٦، ٤:٣١:١١ م

46222.png

المقدّس في النفس البشرية...
بين الحاجة الوجودية وبنية العمق الداخلي:

لا يبدو الدين في التجربة الإنسانية مجرد منظومة من الأفكار التي يتبناها العقل أو طقوسٍ يتوارثها المجتمع، بل يظهر عبر التاريخ كأنه استجابة من نوع مختلف تمامًا؛ استجابة لا تنتمي فقط إلى الثقافة، بل إلى طبقات أعمق في تكوين الإنسان ذاته. فحتى في أكثر المجتمعات عقلانية أو علمانية، لا تختفي الحاجة إلى ما يتجاوز المحسوس، بل تعود لتظهر في أشكال جديدة، أحيانًا أكثر تجريدًا وأحيانًا أكثر حدة.
هذا الحضور المستمر لفكرة “المتجاوز” يطرح سؤالًا فلسفيًا جوهريًا: هل الإنسان يبحث عن المعنى لأنه فقده تاريخيًا، أم لأنه مهيأ نفسيًا لعدم الاكتفاء بالمادي وحده؟ يبدو أن التجربة الإنسانية تميل إلى الخيار الثاني، حيث لا تكفي المعرفة العلمية أو التفسير العقلي وحدهما لإشباع الحاجة إلى التماسك الداخلي وفهم الموقع الوجودي للذات في العالم.
في هذا السياق، لا يعود المقدّس فكرة منفصلة عن الحياة اليومية، بل يصبح طريقة في إدراك العالم، تنبع من التوتر بين محدودية الإنسان ورغبته في الإحاطة بما يتجاوزه. هذا التوتر ليس طارئًا، بل ملازم للبنية النفسية التي تجعل الإنسان واعيًا بذاته، وفي الوقت نفسه واعيًا بحدوده. ومن هذا الوعي المزدوج تنشأ الحاجة إلى رموز ومعاني تمنح التجربة الفردية امتدادًا يتجاوز اللحظة المباشرة.
وتلعب الرموز هنا دورًا مركزيًا، ليس باعتبارها بقايا من ماضٍ ثقافي، بل باعتبارها أدوات نفسية لتنظيم العلاقة مع المجهول. فهي لا تُقدّم إجابات نهائية بقدر ما تفتح فضاءات للفهم، تسمح للعقل بأن يقترب من الأسئلة الكبرى دون أن يُستنزف في مواجهتها المباشرة. بهذا المعنى، تصبح الرمزية نوعًا من اللغة التي يستخدمها الإنسان للتعامل مع ما لا يمكن اختزاله في مفاهيم دقيقة.
ومع تغيّر أنماط التفكير الحديثة، لم تختفِ الحاجة إلى هذه البنية الرمزية، لكنها أعادت تشكيل نفسها. فحين تضعف البُنى التقليدية التي كانت تحتضن هذه الحاجة، لا تزول، بل تتحول إلى أشكال بديلة: إيديولوجيات شاملة، أو انتماءات فكرية صارمة، أو حتى بحث فردي عن معنى مطلق خارج الأطر التقليدية. في كل هذه الحالات، يبقى الدافع الأساسي واحدًا: الحاجة إلى إطار يربط الإنسان بتجربة تتجاوز حدود الفردية الضيقة.
من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى “المقدّس” بوصفه تعبيرًا عن رغبة الإنسان في إدماج الفوضى الوجودية داخل نظام قابل للفهم. فالعالم في صورته الخام يبدو متشظيًا وغير مكتمل المعنى، بينما يسعى الإنسان باستمرار إلى إعادة صياغته ضمن بنية تمنحه شعورًا بالاتساق. هذه الرغبة ليست مجرد ميل ثقافي، بل ضرورة نفسية تساعد على الحفاظ على توازن التجربة الداخلية.
وهكذا، فإن السؤال عن الدين لا ينفصل عن السؤال عن طبيعة الإنسان نفسه: كائن محدود في قدرته، لكنه غير محدود في بحثه عن المعنى. وبين هذين القطبين تتشكل كل التجارب الروحية والفكرية، سواء اتخذت شكلًا دينيًا تقليديًا أو تحولت إلى صور حديثة من الإيمان بالمعنى أو الحقيقة أو الغاية.
في النهاية، يبدو أن المقدّس ليس شيئًا نضيفه إلى الحياة، بل طريقة تفسر بها النفس وجودها عندما تواجه حدودها الخاصة.