
النفط الإيراني يتحدى الحصار الأميركي عبر “أسطول الظل” وعمليات تمويه بحرية معقدة
رغم الحصار البحري الواسع الذي فرضته الولايات المتحدة على صادرات النفط الإيرانية منذ منتصف أبريل 2026، تكشف بيانات الملاحة البحرية وصور الأقمار الاصطناعية أن طهران ما زالت قادرة على إيصال جزء من نفطها إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين، عبر شبكة معقدة من عمليات التمويه والخداع الإلكتروني والنقل السري بين الناقلات.
وبحسب تقارير وتحليلات بحرية غربية، فإن إيران تعتمد بصورة متزايدة على ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، وهو مجموعة من الناقلات التي تعمل بأسماء وأعلام متغيرة، وتستخدم أساليب تضليل متقدمة لتجنب الرصد الأميركي.
الصين.. الشريان الحيوي للنفط الإيراني
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية الإيرانية تصعيداً غير مسبوق، بالتزامن مع استمرار الصين في استيراد النفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية.
وتعتبر بكين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني في العالم، الأمر الذي دفع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى اتهام الصين بأنها “تمول الإرهاب عملياً” عبر استمرار شراء الخام الإيراني.
وفي المقابل، كثفت البحرية الأميركية انتشارها في خليج عُمان والمحيط الهندي، بهدف مراقبة السفن المتجهة نحو آسيا واعتراض الناقلات المرتبطة بطهران.
أكثر من 70 سفينة تحت المجهر الأميركي
مسؤولون أميركيون أكدوا أن الحصار البحري حقق نتائج ملموسة، إذ جرى اعتراض أو مصادرة أكثر من 70 سفينة منذ بدء العمليات.
ومن أبرز الناقلات التي تعرضت للمصادرة:
- الناقلة “ماجيستيك إكس”، التي كانت تحمل شحنة نفط متجهة إلى الصين قبل اعتراضها في المحيط الهندي.
- الناقلة “إم تي تيفاني”، التي صادرتها القوات الأميركية رغم مغادرتها المنطقة قبل بدء الحصار رسمياً.
لكن، وعلى الرغم من هذه العمليات، ما تزال ناقلات أخرى تنجح في الإفلات من الرقابة والوصول إلى شرق آسيا.
“هيوج”.. الناقلة التي اختفت عن الرادار
من أبرز الأمثلة التي أثارت اهتمام الاستخبارات البحرية، الناقلة العملاقة “هيوج”، التي حملت نحو مليوني برميل من النفط من جزيرة خرج الإيرانية، ثم أغلقت أجهزة التتبع الخاصة بها بشكل شبه كامل أثناء رحلتها.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن السفينة:
- عبرت مضيق هرمز قبل بدء الحصار مباشرة.
- ظهرت لاحقاً قرب سريلانكا.
- واصلت الإبحار بمحاذاة السواحل الفيتنامية.
- استخدمت مضيق “لومبوك” الإندونيسي بدلاً من مضيق ملقا التقليدي لتقليل فرص اكتشافها.
ويرى خبراء بحريون أن استخدام هذا المسار غير المعتاد يعكس تحولاً تكتيكياً متزايداً لدى الناقلات المرتبطة بإيران.
تقنيات خداع إلكتروني وتزوير بيانات
التحقيقات البحرية كشفت أيضاً استخدام ناقلات إيرانية لتقنيات تضليل إلكتروني متطورة.
فالناقلة “أتوميس”، الخاضعة للعقوبات الأميركية، أظهرت بياناتها الإلكترونية أنها موجودة في الكويت، بينما أكدت صور الأقمار الاصطناعية أنها كانت في الواقع تقوم بتحميل النفط في جزيرة خرج الإيرانية.
كما عمدت السفينة إلى:
- تغيير اسمها قبل عبور منطقة الحصار.
- رفع علم جزر القمر بصورة مزيفة.
- تعطيل أو تزوير إشارات التتبع الملاحي.
ورغم ذلك، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن واشنطن تعتمد على منظومات مراقبة متعددة تشمل الرادارات الفضائية وتحليل الترددات اللاسلكية، وليس فقط بيانات أجهزة التتبع البحرية التقليدية.
عمليات نقل سرية في عرض البحر
وتلعب عمليات نقل النفط بين السفن دوراً محورياً في استمرار تدفق الخام الإيراني.
فبدلاً من توجه الناقلات مباشرة إلى الموانئ الصينية، يتم تفريغ النفط في عرض البحر إلى ناقلات أصغر يصعب تتبعها، خصوصاً قرب المياه الماليزية.
ومن بين السفن التي رُصدت في هذه العمليات الناقلة “سالوت ليجند”، التي يُعتقد أنها تسلمت شحنة نفط إيرانية في خليج عُمان قبل نقلها لاحقاً إلى الصين.
وتُعد المياه القريبة من ماليزيا مركزاً رئيسياً لهذه العمليات منذ سنوات، نظراً لصعوبة الرقابة الدولية الكاملة عليها.
تراجع المخزون النفطي الإيراني العائم
ورغم نجاح بعض الشحنات في الوصول إلى آسيا، تشير بيانات شركات تتبع النفط إلى أن الحصار الأميركي بدأ يترك آثاراً اقتصادية واضحة على إيران.
فبحسب شركة “كبلر” المتخصصة في مراقبة حركة النفط العالمية، انخفض حجم النفط الإيراني المخزن على متن الناقلات قرب السواحل الماليزية من نحو 85 مليون برميل في فبراير إلى حوالي 51 مليون برميل حالياً.
ويعكس هذا التراجع صعوبة تعويض الكميات المصدّرة بنفس الوتيرة السابقة، ما قد يدفع طهران إلى:
- خفض الإنتاج النفطي تدريجياً.
- زيادة الاعتماد على النقل البري والسكك الحديدية نحو الصين.
- توسيع شبكات التهريب البحري عبر شركات وواجهات تجارية جديدة.
مواجهة مفتوحة في البحار
المشهد الحالي يعكس تحوّل المواجهة الأميركية الإيرانية من مجرد عقوبات اقتصادية إلى حرب بحرية واستخباراتية مفتوحة، تستخدم فيها الأقمار الاصطناعية والرادارات وتقنيات التضليل الإلكتروني.
وبينما تسعى واشنطن لخنق عائدات النفط الإيراني، تراهن طهران على قدرتها التاريخية في الالتفاف على العقوبات عبر شبكات نقل سرية وتحالفات اقتصادية مع قوى كبرى، وفي مقدمتها الصين.
ومع استمرار هذا الصراع، تبدو طرق الملاحة في خليج عُمان والمحيط الهندي مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أكثر الساحات توتراً في العالم خلال المرحلة المقبلة.