
جغرافيا قاسية واعتماد كلي على الخارج
تفرض الطبيعة المناخية في الخليج، حيث تتجاوز الحرارة صيفاً حاجز 50 درجة مئوية مع ندرة الأراضي الزراعية، واقعاً يعتمد فيه السكان بشكل شبه كامل على الاستيراد ومحطات التحلية. وتكشف الأرقام عمق الأزمة؛ إذ تستورد السعودية ما يفوق 80% من احتياجاتها الغذائية، وتصل هذه النسبة في الإمارات إلى 90%، بينما تعتمد قطر على الخارج بنسبة 98%. وحتى العراق، رغم روافده المائية، تمر جلّ وارداته الغذائية عبر هذا المضيق الذي بات اليوم ساحة محفوفة بالمخاطر.
فاتورة "مخاطر الحرب" تنهك الموردين
أدت الهجمات المتكررة على السفن التجارية، والتي بلغت نحو 20 حادثة منذ أواخر فبراير الماضي، إلى عزوف شركات الشحن عن سلك المسارات التقليدية. هذا الارتباك لم يتوقف عند حدود التأخير، بل امتد لفرض تكاليف باهظة تحت بند "أقساط تأمين مناطق الحرب".
رسوم إضافية: فرضت شركات شحن رسوماً وصلت إلى 4000 دولار لكل حاوية متجهة للشرق الأوسط.
تضاعف التكاليف: قفزت أسعار الشحن لبعض المسارات من 3400 دولار إلى قرابة 14500 دولار، دون احتساب تكاليف النقل البري الإضافية.
تغيير المسارات: اضطر الموردون لتحويل شحنات كانت متجهة لدبي إلى موانئ في الهند وسريلانكا، مما وضع البضائع -خاصة الطازجة منها- في حالة من "عدم اليقين" اللوجستي.
الشحن الجوي والبري.. البدائل الصعبة
في محاولة لالتفاف على حصار المضيق، بدأت شركات التجزئة الكبرى دراسة بدائل برية مجهدة، مثل نقل البضائع من أوروبا عبر تركيا وصولاً إلى دول الخليج، وهو مسار يستغرق نحو 12 يوماً. ورغم أن الشحن الجوي يمثل طوق نجاة، إلا أنه لم يسلم من التوترات؛ حيث تسببت الاستهدافات الأخيرة والإغلاقات المؤقتة للمطارات، كما حدث في مطار دبي الدولي، في عرقلة تدفق الشحنات العاجلة.
هل تنجح المظلة العسكرية في الحل؟
بينما تدرس الإدارة الأمريكية خيارات توفير حماية عسكرية للسفن أو مرافقتها عبر البحرية، يبدي خبراء الملاحة الدولية شكوكاً حول فاعلية هذه الخطوة على المدى القريب. فالحاجة الماسة لعدد كبير من المدمرات لمواكبة حركة السفن اليومية تجعل المهمة معقدة، فضلاً عن أن الأولوية الأمنية ستُمنح -في حال تنفيذها- لناقلات النفط، مما يترك سفن الإمدادات الغذائية في ذيل قائمة الاهتمام العسكري.
الخلاصة: حذر برنامج الأغذية العالمي من أن سلاسل التوريد الحالية تشهد الاضطراب الأعنف منذ أزمة كوفيد-19، وبينما يؤكد كبار تجار التجزئة في المنطقة توفر مخزونات كافية للمدى القصير، يبقى المستهلك النهائي هو الحلقة الأضعف، حيث من المتوقع أن تشهد أسعار السلع الأساسية قفزات قد تصل إلى 20% نتيجة لارتفاع تكاليف التأمين والخدمات اللوجستية البديلة.