
عندما يتكاثر القادة… يُدفن الوطن في الفوضى:
في لحظات الانهيار الكبرى لا تسقط الأوطان فجأة، بل تتآكل من الداخل بصوتٍ منخفض، كأنها تفقد أعصابها ببطء حتى تصحو يوماً على فراغٍ كبير اسمه: لا أحد يقود.
وحين تتحول القيادة من مسؤولية إلى ادّعاء، ومن تكليف إلى مزايدة، يصبح المشهد مألوفاً أكثر مما يجب: كل فردٍ يرى نفسه قائداً، وكل مجموعةٍ تعتقد أنها الأحق، وكل صوتٍ يعلو فوق الآخر لا ليقود، بل ليُقصي.
هنا تحديداً لا يعود هناك طريق واضح، لأن الطرق نفسها تتحول إلى جبهات. ولا يعود هناك قرار، لأن القرار يصبح مادة صراع لا نتيجة توافق. ومع الوقت، لا يعود هناك وطن يتحرك… بل ساحة تتنازعها البوصلة المكسورة.
المأساة ليست في اختلاف الناس، فاختلافهم طبيعي وصحي، بل في غياب مركز ثقل حقيقي، في غياب فكرة جامعة تُبقي الخلاف ضمن إطار الدولة لا خارجها. حينها فقط يتحول الاختلاف إلى فوضى، وتتحول الفوضى إلى نمط حياة، ثم إلى قدرٍ يُبرَّر كل يوم.
الأخطر من ذلك أن الفوضى لا تأتي صاخبة دائماً. أحياناً تأتي في هيئة شعارات جميلة، وفي هيئة حرصٍ مزعوم، وفي هيئة “أنا أعرف أكثر”، و“أنا أمثل الحقيقة”. ومع تراكم هذه “الحقائق الفردية” تتفتت الحقيقة الكبرى، ويضيع المعنى بين أيدٍ كثيرة تريد الإمساك به، فلا تُبقي منه شيئاً.
الشعوب لا تنهض بكثرة الرؤوس، بل بوضوح الاتجاه. ولا تُبنى الدول بتعدد مراكز القرار المتصارعة، بل بوجود عقدٍ وطنيٍّ صلب، حتى لو اختلف الناس حوله. لأن البديل دائماً هو نفس النتيجة: ضجيج بلا وجهة، وحماس بلا إنجاز، وصراع بلا نهاية.
وفي النهاية، لا يحتاج الوطن إلى مزيد من “القادة” بقدر ما يحتاج إلى وعيٍ قاسٍ بالحقيقة البسيطة:
أن القيادة ليست صفة تُعلن، بل مسؤولية تُثبت، وأن كثرة المدّعين لا تصنع مستقبلاً… بل تؤجل الانهيار فقط.
وحين يصبح الجميع قادة…
يصبح الضياع هو القائد الوحيد الذي لا ينازعه أحد.