
ارتجافة الشيخ الأخيرة...
بقلم :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية...
بداية :
تخيلت اني كنت مع المعتصمين يوم امس في ساحة يوسف العظمة، وكتبت التالي بعد ما رأيت الشيخ الذي صار عنوانا لكرامة مهدورة وإنسانية ضائعة :
الشيخ محمد محاحي ومثله كثيرون
في صباحٍ شاحبٍ من شتاءٍ لا يرحم، كانت المدينة تبدو كأنها خارجة من جنازةٍ طويلة لم تنتهِ بعد، السماء رمادية، الأرصفة مبتلة بذكريات المطر، والوجوه التي تمشي في الشوارع تحمل ذات التعب القديم، تعب بلادٍ أنهكها الانتظار...
في ساحة الاعتصام، حيث تجمع الناس لا ليصرخوا فقط، بل ليُثبتوا أنهم ما زالوا أحياء، كان كل شيء يبدو مرتبًا على نحوٍ حزين؛ أكواب شاي باردة، أعلامٌ ترفرف بكسل، وأصواتٌ منخفضة كأنها تخشى أن توقظ الخراب النائم فوق البلاد...
هناك، رأيته:
شيخٌ وقورٌ، في أواسط السبعين ربما، أو أكثر، لا أحد يستطيع أن يحدد عمر الحزن على وجهه، لو لم يقل هو، كان يقف على طرف الساحة، كأنه لا يريد أن يثقل على أحد حتى بوجعه، إحدى يديه شبه مشلولة، تتدلى بصمتٍ جارح، أما الأخرى فكانت ترتجف... لا، لم تكن مجرد رجفة برد...
كانت رجفة قهر.
رجفة رجلٍ رأى وطنه يُسرق أمام عينيه ولم يستطع أن يصرخ، رجفة أبٍ دفن أبناءه واحدًا واحدًا، ثم عاد ليبحث عن ثمن الخبز، رجفة إنسانٍ لا يعرف إن كان يرتعش من الجوع، أم من الخوف، أم من البرد، أم لأن الزمن نفسه صار جلادًا محترفًا...
ظل واقفًا بصمت، ينظر إلى الوجوه، وكأنه يبحث عن سورية التي يعرفها.
وأنا، حين رأيته، شعرت أن شيئًا انكسر داخلي...
أقسم أن الاعتصام كان سلميًا حضاريًا من جانب المعتصمين، وأقولها شهادةً لا مجاملة فيها، أما رجال وزارة الداخلية، من الوزير إلى أصغر جندي يحمل درعًا واقيًا، فقد كانوا يومها أبناء هذا الوطن بحق، يحرسون الأمن العام لا السلطة، ويحفظون النظام لا الكراسي، رفعت لهم القبعة، لا لأنهم كانوا أقوياء، بل لأنهم اختاروا ألا يكونوا وحوشًا.
لكن الشيخ…
ذلك الشيخ وحده كان كافيًا لإدانة قرنٍ كامل...
حين رأيته، تذكرت حكاية قديمة أعرفها جيدًا، من بلادٍ بعيدة اسمها السويد، حيث استقالت وزيرة تربية لأن طفلةً في المرحلة الإعدادية كتبت في موضوع إنشاء أنها لم تسافر يومًا في رحلة مدرسية خارج البلاد، لا لأن المدرسة رفضت، بل لأن أهلها لم يملكوا المال الكافي...
طفلة حزنت لأنها لم ترَ العالم.
فاستقالت وزيرة.
هناك، شعروا أن فشل الدولة يبدأ من دمعة طفلة.
أما هنا…
فهذا الشيخ الذي يرتجف كأنه وطنٌ كامل، لا يكفي لشيء...
لا يكفي لنشرة أخبار، لا يكفي لاجتماع طارئ، لا يكفي لضميرٍ رسمي أن يستيقظ...
وقفت أحدق فيه، وشعرت أن مشهده وحده يكفي لأن تُفتح أبواب المطارات، ويُجلب بشار الأسد وكل من هرب معه، مكبلين بذلّهم، ليقفوا أمام محكمةٍ لا يترأسها قاضٍ، بل هذا الشيخ نفسه.
هو القاضي...
رجفته هي الحكم.
وعيناه هما لائحة الاتهام.
مشهده وحده يكفي لاسترداد الأموال التي نُهبت، لا لأنها أموال دولة، بل لأنها كانت دواءه، وخبزه، ودفء شتائه، وكرامة عمره الأخير.
ومشهده وحده—حتى لو لم يكن هناك فساد آخر، ولا خراب آخر، ولا ألف ذريعة تتدثر بها حكومة الأمر الواقع—يكفي لاستقالة حكومة كاملة في أي بلد يحترم نفسه.
لكننا لا نعيش في بلدٍ يحترم وجع الناس، نعيش في وطنٍ يحتاج فيه الشيخ أن يرتجف علنًا، حتى يثبت أنه ما زال يتألم...
اقتربت منه، ناولته كوب شاي ساخن،
نظر إليّ بعينين غارقتين في تاريخٍ طويل، وقال بصوتٍ مبحوح:
— نحن لا نريد الكثير يا بني… فقط نريد أن نموت ونحن نشعر أن هذا البلد لنا...
لم أستطع الرد.
لأنني للمرة الأولى، شعرت أن الوطن ليس أرضًا…
بل شيخٌ يرتجف في ساحة اعتصام،
وأن سقوط الأوطان لا يبدأ بالدبابات…
بل حين يصبح ارتجاف الشيخ خبرًا عاديًا.