
بين ضفاف التيه والحنين
في هذا العالم الذي يزداد قسوةً كلما تقدم بنا العمر، نشعر كأننا نسير فوق أرضٍ لا تعترف بأقدامنا، كأننا عابرون بلا خرائط ولا بوصلة، نبحث عن معنى يتوارى كلما اقتربنا منه.
أتأمل الوجوه من حولي فأراها كأنها مرايا متكسّرة تعكس غرباتٍ متعددة، كلٌّ منها يحمل حكاية فقدٍ مختلفة، وكلّها تلتقي عند سؤالٍ واحد: كيف صار الطريق إلى النجاة أطول من احتمال القلب؟
وحده الأفق البعيد يظلّ صامتًا، كأنه يعرف أكثر مما يقول، كأنه شاهدٌ قديم على محاولات البشر الدائمة للهروب من وجعٍ لا اسم له، إلى وجعٍ آخر أكثر لُبوسًا ودهشة.
كم هو مثقل هذا الوعي حين ندرك أن الذاكرة ليست صندوقًا نغلقه، بل بحرٌ يعود إلينا كلما ظننا أننا ابتعدنا عنه، يمدّ أمواجه داخلنا بلا استئذان، ويعيد ترتيب ملامحنا كما يشاء.
ومع ذلك، يبقى في داخل الإنسان شيء صغير يرفض الانكسار الكامل، شرارة خفية تدفعه لأن يواصل المسير، وكأن الحياة لا تمنحنا خيارًا سوى أن نحلم رغم انطفاء الضوء، وأن ننهض رغم أننا نعرف أن السقوط جزء من الطريق.
نمضي، إذن، محمّلين بما لا يُقال، نترك خلفنا ما لا يعود، ونحمل في صدورنا ما لا يُنسى، وكأننا كُتب علينا أن نعيش بين ضفتين: ضفةٍ لا نصلها، وأخرى لا نغادرها.