
بين حساب المنفعة وحرية الشعور
في سلوك الناس طبائع متباينة، يظهر بعضها وكأنها لا تتحرك إلا تحت سلطان الربح والخسارة، فلا ترى في الفعل قيمة إلا إذا عاد على صاحبه بنفع مباشر أو متوقع. هذا النمط من التفكير يجعل صاحبه يقيس العالم كله بميزان الحساب، فيتوجس من كل سلوك لا يجد له تفسيراً مادياً واضحاً، ويظن أن وراءه غرضاً خفياً حتى لو بدا العمل في ظاهره نقياً.
وعندما يعجز هذا التصور الضيق عن اكتشاف منفعة ملموسة في بعض الأفعال، لا يرتفع الحكم بالضرورة إلى الإعجاب، بل قد ينقلب إلى نوع آخر من الرفض: إذ يُنظر إلى صاحب الحس الإنساني الرفيع وكأنه يخرج عن الصواب، لأنه يفرح أو يعطي أو يضحي دون مقابل ظاهر. في هذا المنظور، يتحول الصفاء الداخلي إلى سذاجة، ويتحول البذل إلى خلل في التقدير.
لكن هناك طبائع أخرى لا تُختزل في منطق الحساب وحده، بل تتحرك بدافع داخلي أوسع من مجرد المنفعة. فهي قد تُقدم على الفعل بدافع شعور عميق، أو اندفاع إنساني، أو لحظة انجذاب لا تخضع بالكامل لرقابة العقل البارد. وفي هذه اللحظات، لا يكون الإنسان مسكوناً بسؤال: ماذا أربح؟ بل يعيش حالة تنسيه هذا السؤال أصلاً.
ويمكن ملاحظة هذا المعنى حتى في الطبيعة نفسها، حيث تدفع الغريزة الكائن الحي أحياناً إلى سلوكيات قد تُعرضه للخطر، ومع ذلك تبدو منسجمة مع قوة داخلية أقوى من الحساب العقلاني. وكأن هناك في الكائنات جميعاً لحظات يتراجع فيها التقدير المادي لصالح دافع أعمق، لا يمكن تفسيره بمنطق المنفعة وحده.
وهكذا يتبين أن اختزال الإنسان في كونه كائناً حسابياً فقط، يغفل جانباً مهماً من وجوده، وهو ذلك البعد الذي يجعله قادراً على الفرح غير المشروط، والعطاء غير المحسوب، والتصرف خارج منطق الربح والخسارة، ولو بدا ذلك في نظر البعض نوعاً من الغرابة أو عدم الاتزان.