
هدنة بلا حسم… وأسئلة أكبر من الإنجازات:
تعكس التغطية الإعلامية في إسرائيل حالة واضحة من التناقض بين ما تحقق عسكريًا وما فُرض سياسيًا. فبينما تُجمع التحليلات على أن الضربات الأخيرة أضعفت حزب الله بشكل ملحوظ، إلا أن الشعور العام يميل إلى أن نهاية المواجهة لم تكن بيد تل أبيب، بل خضعت لإرادة دونالد ترامب وحساباته الأوسع، خصوصًا في ما يتعلق بالتفاوض مع إيران.
الخطاب الإعلامي يكشف أزمة ثقة داخلية؛ فالجمهور، وخاصة في الشمال، يشعر بأن الوعود التي قُدمت حول “حسم المعركة” لم تتحقق. بل إن الفجوة بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني باتت أكثر وضوحًا، حيث لا يزال الحزب قادرًا على العمل، ولو بوتيرة مختلفة، مع تحوله نحو أساليب استنزاف بدل المواجهة الشاملة.
في المقابل، تُظهر التحليلات أن المشكلة ليست فقط عسكرية، بل تتعلق بغياب رؤية سياسية متكاملة. فالتقديرات تشير إلى أن القضاء على قوة مثل حزب الله لا يمكن أن يتم بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى مسار مزدوج يجمع بين الضغط العسكري والتسويات السياسية، وهو ما لم يتبلور حتى الآن بشكل واضح.
من زاوية أخرى، يبرز عامل الاعتماد المتزايد على واشنطن كعنصر إشكالي. ففرض وقف إطلاق النار من الخارج أعاد طرح تساؤلات حول مدى استقلال القرار الإسرائيلي، وأعطى انطباعًا بأن مراكز الحسم الفعلي لم تعد داخل الحكومة، بل خارجها.
إقليميًا، تفتح هذه المرحلة بابًا لاحتمالات جديدة؛ إذ ترى بعض الأوساط أن التهدئة قد تُستثمر لإعادة ترتيب العلاقات في المنطقة، وربما توسيع مسارات التطبيع، لكن ذلك يبقى مرهونًا بمدى القدرة على تحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي مستدام.
رأيي
المشكلة الجوهرية هنا ليست في نتائج المعركة بحد ذاتها، بل في “سردية النصر”. عندما تُرفع سقوف التوقعات إلى حد الحسم الكامل، يصبح أي توقف دون هذا الهدف بمثابة خسارة معنوية، حتى لو كانت النتائج العسكرية قوية.
ما يظهر بوضوح هو أن الحروب الحديثة في المنطقة لم تعد تُحسم في الميدان فقط، بل في السياسة والإعلام والتوازنات الدولية. ومن دون ربط هذه العناصر معًا، ستبقى النتيجة تكرار نفس الدورة: جولة قتال، ثم هدنة هشة، ثم عودة للتصعيد.