
حكاية ضحكة فضحت عاشقًا
أحببتها حدَّ العبادة، حتى خُيّل إليّ أن الدنيا لم تعرف امرأةً قبلها، ولم تعد تعرف امرأةً بعدها. كانت هي البداية التي سبقتها كل الأحلام، والنهاية التي لم يأتِ بعدها سوى الصمت.
ومن أطرف ما أحتفظ به في دفاتر ذلك الحب، حكاية عيدٍ لا تزال كلما تذكرتها ابتسمت.
قبل العيد بأيام قلت لها بثقة العاشقين: "لن أغادر البيت طوال أيام العيد، سأعتكف فيه حتى تأتي لزيارتي."
ابتسمت، ووعدتني أنها ستأتي.
لكن العيد لا يعترف بوعود العشاق. فما إن أطل صباح اليوم الأول حتى امتلأ البيت بالأصدقاء، وكانت عاداتنا آنذاك أن من نزوره يرافقنا إلى بقية الزيارات، حتى يجد الإنسان نفسه أسير المحبة والعشرة أكثر مما هو أسير إرادته.
خرجت معهم على مضض، وأنا أردد في سري اعتذارًا لم تسمعه.
وكانت لي ضحكة لا تشبه سواها؛ ضحكة عالية يعرفني بها كل من سمعها، حتى لو لم تقع عيناه عليّ.
وفي تلك الأثناء، كانت هي تنفذ وعدها، تسير في شارع موازٍ للشارع الذي كنت أعبره مع أصدقائي. لم ترني... لكن ضحكتي سبقتني إليها، ودلّتها عليّ كما يدل العطر على صاحبه.
وحين عدت إلى البيت وجدتها تجلس مع أخواتي. انتظرت لحظة انفردت بها، وقلت معتذرًا: "صدقيني... لم أخلف وعدي بإرادتي، الأصدقاء أصروا وأخرجوني معهم، ولقد بقيت صامتا لا شاركهم أحاديثهم لأن قلبي وعقلي كانا معاك."
نظرت إليّ بعينيها اللتين كانتا تعرفانني أكثر مما أعرف نفسي، ثم قالت وهي تبتسم ابتسامتها الساحرة:
"كلامك صحيح... لكن مين كان عم يضحك الساعة كذا، بالمكان الفلاني؟"
حينها أدركت أن الضحكات، مثل الحب، لا يمكن إخفاؤها. وأن القلب إذا أحب بصدق، صار لصوته صدىً يهتدي إليه من يحبه، ولو فرّقت بينهما الشوارع.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت ضحكتي، تذكرت أنها كانت أول امرأة استطاعت أن تميزني من بين الناس، لا بملامحي... بل بصوت فرحي.