.

هل تصلح الديمقراطية في مجتمع يفتقر إلى الوعي؟
ليست الديمقراطية مجرد صندوق اقتراع، ولا هي عملية حسابية تُجمع فيها الأصوات لتُنتج حكماً صحيحاً بالضرورة. الديمقراطية، في جوهرها، هي نظام يفترض وجود حد أدنى من الوعي العام: فهم للحقوق، إدراك للمصالح، وقدرة على التمييز بين الخطاب السياسي الحقيقي والدعاية والشعارات.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ماذا يحدث عندما يغيب هذا الوعي أو يضعف بشكل كبير؟
في مثل هذا السياق، تتحول الديمقراطية من أداة لاختيار الأصلح إلى ساحة يمكن فيها للتضليل أن ينجح بسهولة، وللشعبوية أن تتقدم، وللخطابات العاطفية أن تهزم البرامج العقلانية. عندها لا يعود القرار الجماعي ضمانة للصواب، بل انعكاساً لتوازنات مؤقتة تتحكم فيها العاطفة والخوف والانطباع أكثر من المعرفة.
هذا لا يعني أن البديل هو الاستبداد، ولا أن الحل هو مصادرة إرادة الناس. فالتاريخ مليء بأنظمة ادعت “الوصاية” على الشعوب بحجة الجهل، فانتهت إلى قمع طويل الأمد وفساد أعمق. المشكلة ليست في الديمقراطية نفسها، بل في غياب شروطها: التعليم الجاد، الإعلام المسؤول، والمجتمع القادر على مساءلة نفسه قبل مساءلة السلطة.
الديمقراطية ليست نتيجة جاهزة، بل هي مشروع ثقافي طويل. وكلما كان المجتمع أكثر معرفة ووعياً، كلما اقتربت الديمقراطية من أن تكون أداة عدل حقيقية. أما حين يضعف الوعي، فإن أي نظام—حتى لو كان ديمقراطياً شكلاً—يمكن أن ينحرف عن مقصده.
في النهاية، ليست القضية أن الديمقراطية “لا تصلح”، بل أن أي نظام سياسي لا يُبنى على وعي إنساني كافٍ، سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى نسخة مشوهة من نفسه.