--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

حسيبك للزمن… حين تصبح الأغنية وطناً مفقوداً

نُشر في ١٨‏/٥‏/٢٠٢٦، ٧:٥١:١٣ م

35917.png

حسيبك للزمن… حين تصبح الأغنية وطناً مفقوداً:

كانت أمي، رحمها الله، تجلس في أمسيات البيت الهادئة إلى جانب أخيها، خالي أبو إبراهيم، رحمه الله أيضاً، ورحم أمواتكم اجمعين وكأن بينهما طقساً سرياً لا يكتمل إلا بصوت أم كلثوم...
كانا يصغيان إليها بعمق لا يشبه الاستماع العادي؛ لم تكن الأغاني عندهما مجرد لحن أو تسلية عابرة، بل حياة كاملة تتدفق من مذياع صغير، وتمتلئ بها الغرفة والذاكرة والوجدان...

كنت أشاركهما الجلوس أحياناً، لكنني — في تلك السنوات — لم أكن أغوص في المعاني كما يفعلان، كانت الحياة تسبقني دائماً، تركض بي من التزام إلى آخر، ومن تعب إلى تعب، فلا أتعلق من الأغنية إلا بما يعلق في السمع:
 اللحن، العُرَب، الشجن الخفيف الذي يمر سريعاً ثم يختفي، إلا أن عودته عيني، وحا اقلك ايه، وانت عمري، وحيرت قلبي، مع الحب كلو فلها وقع خاص فكانت غذاء حبي مع من احببت يوما...
عموما:
 الكلمات، فكانت تعبرني دون أن تستقر داخلي، لكن بعد رحيل أمي وخالي، ومعهما من احببت تغير كل شيء في حياتي...
فجأة:
لم تعد أغنيات أم كلثوم مجرد أغنيات، صارت أبواباً تُفتح دفعة واحدة على زمن كامل،  صرت كلما سمعت صوتها أشعر أن أحداً يوقظ في داخلي بيتاً قديماً هُدم منذ زمن، لكنه ما زال قائماً في الروح، فبعض أغانيها تؤلمني، بل معظمها، أشعر معها بغصة تستقر في المآقي قبل القلب، وكأن الصوت نفسه يعرف أسماء الذين رحلوا ويناديهم واحداً واحداً...

إلا أن هناك أغنية لا أستطيع احتمالها أبداً وهي :
                          «حسيبك للزمن».
ما إن تبدأ حتى أعود فوراً إلى السنة الأولى في الكلية الحربية، أعود شاباً غائباً عن أهله أربعة أشهر وسبعة أيام كاملة، لا يعرف من الدنيا سوى الأوامر والانضباط والتدريب القاسي والتعب والسهر...
أتذكر أول إجازة لي، حين وصلت ليلاً إلى ساحة العباسيين قادماً من حمص كنت متعباً من تراكمات قلبت حياتي رأسا على عقب خلال هذه الفترة إلى حد أنني شعرت أنني نسيت الكلام العادي نفسه. أوقفت سيارة أجرة، وحاولت أن أقول للسائق إلى أين أريد الذهاب، لكنني فجأة نسيت كلمة «البرامكة»… الكلمة البسيطة التي يعرفها أي طالب أو مسافر في دمشق.

بقيت لثوانٍ أبحث عنها كأنها ضاعت مني في مكان بعيد.
قلت للسائق مرتبكاً:
— امشِ… وأنا سأدلك.

ثم تذكرتها أخيراً، كأنني استعدت جزءاً من ذاكرتي لا مجرد اسم مكان...

لكن الذكرى الأشد قسوة بقيت مرتبطة بأغنية «حسيبك للزمن».

كان ذلك في طريق العودة إلى الكلية الحربية بعد الإجازة. كنا خمسة طلاب نحمل حقائبنا وقلقنا وتأخرنا، واستوقفنا سيارة مرسيدس 190، تلك التي كانوا يسمونها وقتها «المكبتلة».
قلنا للسائق بلهفة إننا متأخرون، ويبدو أن الرجل فهم حجم الورطة فوراً، فانطلق كأن الطريق خُلقت لتلك الليلة وحدها.

حتى اليوم لا أعرف كيف وصلنا خلال ساعة ونصف تقريباً...
كانت السيارة تشق الليل بسرعة مجنونة، ونحن بين خوف وضحك وصمت متوتر، بينما صوت أم كلثوم يملأ السيارة:

«حسيبك للزمن…»

ومنذ تلك الليلة، لم تعد الأغنية مجرد أغنية بالنسبة لي، صارت رائحة تلك الأيام، وارتباك الشباب، ووحشة الطريق إلى الكلية، وصوت المحرك في ليل دمشق، وقلبي الذي كان يومها أصغر بكثير مما صار عليه الآن.

كلما سمعتها أشعر أن الزمن نفسه يجلس إلى جواري، يفتح دفاتر قديمة لم أعد أملك شجاعة قراءتها.
ولهذا، غالباً ما أهرب منها سريعاً… قبل أن تكمل ما بدأته في قلبي.