
قبل أن تتراكم المسافات فوق أيامنا كطبقات الغبار على الذكريات القديمة، كانت الحياة أخفَّ مما هي عليه الآن، وكانت الأشياء الصغيرة تملك قدرةً غريبة على صناعة الفرح.
كان حضورك يشبه نافذة تُفتح فجأة في غرفةٍ أغلقتها الفصول طويلاً. كل شيءٍ كان يكتسب معنى مختلفاً لمجرد أنك جزءٌ من المشهد. حتى الأيام العادية التي تمر على الآخرين دون انتباه، كانت تترك في نفسي أثراً خاصاً لأنها كانت تحمل احتمال حديث منك، أو رسالة عابرة، أو لحظة دفء تكفي لإضاءة ما تبقى من النهار.
أتعلمين ما الذي أفتقده حقاً؟
ليس الكلمات الكبيرة، ولا الوعود التي يحفظها العشاق عن ظهر قلب، بل تلك التفاصيل التي كانت تحدث دون تخطيط. تلك اللحظات التي كنا نمر بها ببساطة، ثم نكتشف بعد زمن أنها كانت أثمن مما ظننا.
كنتِ تقيمين في أماكن لا تصل إليها الأقدام. في فكرةٍ مفاجئة أثناء العمل، وفي نغمةٍ شاردة تعبر الأذن مصادفة، وفي لحظات السكون التي يظنها الناس فارغة بينما كانت ممتلئة بك.
كان يكفيني أن أشعر بأنك بخير، لأجد مبرراً إضافياً لمصالحة هذا العالم.
في ذلك الوقت، لم أكن أدرك أن الاعتياد على وجود شخصٍ ما قد يصبح جزءاً من تكوين الروح نفسها. كنت أظن أن الأمور الجميلة تستمر لأنها جميلة، وأن الصدق يملك حصانةً ضد تقلبات الزمن، وأن ما نبنيه يوماً بيوم سيبقى ثابتاً مهما اشتدت الرياح.
لكن الحياة لا تستأذن أحداً حين تغير اتجاهها.
ومع ذلك، لا أشعر بالندم على شيء.
كيف أندم على مرحلةٍ كانت فيها روحي أكثر اتساعاً؟ وكيف أتحسر على أيامٍ تعلمت فيها أن القلب قادر على أن يمنح دون حساب؟
لقد منحتِ أيامي معنى لا يزال أثره باقياً حتى الآن، ومنحتِ ذاكرتي فصولاً كاملة من الدفء لا تستطيع السنوات محوها مهما ابتعدت.
وحين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا أتذكر الخلافات الصغيرة ولا المنعطفات التي قادتنا إلى ما نحن عليه اليوم. أتذكر فقط ذلك الشعور النادر بالأمان الذي كان يرافقني كلما مر اسمك في خاطري.
ربما لهذا السبب تؤلمنا الذكريات الجميلة أكثر من غيرها. لأنها لا تعود إلينا بصورتها الكاملة، بل تعود محمّلة بإدراكٍ متأخرٍ لقيمتها. نكتشف بعد فوات الأوان أن بعض اللحظات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت وطناً مؤقتاً أقامت فيه أرواحنا قبل أن تواصل الرحيل.
ومهما ابتعد الزمن، ستبقى هناك أماكن في القلب لا يسكنها أحد بعد الذين مروا بها ذات حبٍ صادق. وستبقى بعض الأسماء قادرة على إيقاظ مواسم كاملة من الحنين، مهما حاولنا إقناع أنفسنا أن الحكاية انتهت.
فبعض النهايات لا تمحو ما سبقها، بل تؤكد فقط أن ما كان جميلاً إلى هذا الحد، يستحق أن يُتذكر.