
حين كان القرب وطنًا:
أكتب إليكِ الآن، لكنني لا أكتب عن الآن… بل عن ذلك الزمن الذي كان فيه وجودكِ يختصر كل شيء، حين كنا معًا وكأن العالم قد خُلق ليهدأ حولنا فقط.
ما زلتُ أراكِ في تفاصيل الأيام التي مضت، في لحظات كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت تمتلئ بكِ من الداخل حتى تفيض. كنتِ تمرّين في حياتي كأنكِ المعنى الذي لم أكن أعرفه من قبل، وكأن الأشياء كلها اكتسبت قيمتها لأنكِ كنتِ قريبة.
أتذكر كيف كانت الساعات معكِ تفقد شكلها المعتاد، فلا تُقاس بالوقت بل بالطمأنينة. وكيف كان الصمت بيننا أحيانًا أصدق من الكلام، وكأن كل شيء يُفهم دون أن يُقال. حتى ما كان يمرّ بيننا من اختلاف عابر، كان يعود ليهدأ سريعًا، كأنه لم يجرؤ أن يطيل الغياب في حضورك.
كان وجودكِ يعلّمني شيئًا لم أكن أعرفه عن نفسي؛ أنني أستطيع أن أكون أكثر هدوءًا، وأكثر صدقًا، وأكثر قربًا من قلبي. ومعكِ، لم يكن الحب فكرة، بل حالة نعيشها دون أن نسميها.
واليوم… رغم أن الزمن مضى بنا في اتجاهات مختلفة، ما زال ذلك الماضي حيًّا في داخلي، لا كذكرى فقط، بل كإحساس ثابت بأن شيئًا جميلًا حدث حقًا، وأنكِ كنتِ فيه أنتِ المعنى كله.
وأنا الآن أكتب إليكِ، لا لأعيد الزمن، بل لأعترف أنه مرّ بكِ، ولم يمرّ عاديًا أبدًا.