
حين يهزم التعقيد نفسه:
ثمة مفارقة إنسانية عميقة تكمن في تلك العبارة التي تُنسب إلى دوستويفسكي: كلما ازداد مكر الإنسان، صار أكثر عرضة للسقوط في أبسط الفخاخ. وكأن التعقيد الذي ينسجه بعناية حول الآخرين، يتحول في لحظة ما إلى شبكة يلتف خيطها الأخير حول عنقه هو.
المكر، في جوهره، ليس ذكاءً خالصًا كما يُخيّل للبعض، بل هو انحراف في استخدام الذكاء. فالعقل الذي يُسخّر للالتفاف، للمراوغة، ولتضليل الآخرين، يبدأ تدريجيًا بفقدان قدرته على رؤية الأشياء في بساطتها الأولى. يصبح كل شيء في نظر صاحبه لغزًا، وكل موقف مؤامرة محتملة، وكل كلمة تحمل ما وراءها. وهنا تبدأ المأساة: حين يعجز الإنسان عن التمييز بين التعقيد الحقيقي وذلك الذي صنعه بنفسه.
الإنسان الماكر يعيش داخل بناء ذهني شديد التعقيد، يضيف إليه يومًا بعد يوم طبقات من الشكوك والحسابات. لكنه ينسى أن الحياة، في كثير من لحظاتها الحاسمة، لا تخضع لهذه الحسابات. قد تكون نظرة صادقة، كلمة عفوية، أو موقف بسيط غير متوقع، كفيلة بإسقاط كل تلك البنية المصطنعة. ليس لأن العالم خبيث، بل لأنه ببساطة لا يسير وفق مخططاته.
والأخطر من ذلك أن المكر يخلق وهم السيطرة. يظن صاحبه أنه يسبق الجميع بخطوات، وأنه يحكم اللعبة من خلف الستار. لكنه في الحقيقة يكون قد ابتعد عن الفهم الحقيقي للناس وللمواقف. فالبساطة — تلك التي يحتقرها — هي في كثير من الأحيان مفتاح الفهم، وأداة النجاة. بينما التعقيد المفرط ليس إلا ستارًا كثيفًا يحجب الرؤية.
في المقابل، لا تعني هذه الفكرة تمجيد السذاجة أو الدعوة إلى الغفلة. بل هي تذكير بأن الصفاء الذهني، والقدرة على رؤية الأمور كما هي، دون تحميلها ما لا تحتمل، هي شكل أعمق من أشكال الذكاء. الذكاء الذي لا يحتاج إلى التواء، ولا إلى اختلاق معارك وهمية.
إن السقوط في الفخاخ البسيطة ليس حظًا سيئًا، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من التعقيد غير الضروري. فحين يعتاد الإنسان السير في الطرق الملتوية، يفقد إحساسه بالطريق المستقيم. وحينها، لا يحتاج الأمر إلى فخ محكم… يكفي خيط بسيط، غير مرئي، ليوقعه.
لعل الحكمة الأصدق هنا ليست في الحذر من الآخرين بقدر ما هي في الحذر من أنفسنا، حين نُغريها بالمبالغة في الحساب، ونُثقلها بما لا يلزم من الظنون. فالبساطة ليست ضعفًا، بل هي أحيانًا النجاة الوحيدة من متاهة نصنعها بأيدينا.