--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

حين يصبح الليل وطنًا للعاشقين: قراءة وجدانية في "سكن الليل"

نُشر في ٢٢‏/٣‏/٢٠٢٦، ٦:٢٥:١٥ م

15244.jpg

حين يصبح الليل وطنًا للعاشقين:
 قراءة وجدانية في “سكن الليل”
في لحظةٍ ينسحب فيها ضجيج العالم، وتخفت فيها قسوة الواقع، يولد نوعٌ مختلف من الكلام… كلام لا يُقال في وضح النهار، بل يتسلل همسًا تحت عباءة الليل. هنا تمامًا، يقف الشاعر جبران خليل جبران ليكتب “سكن الليل”، لا كقصيدة غزل تقليدية، بل كاعترافٍ مؤجل، وكأن الحب نفسه لا يجد شرعيته إلا في الظلال.
منذ البيت الأول:
“سكن الليل وفي ثوب السكون تختبي الأحلام”
لا نكون أمام وصفٍ للطبيعة بقدر ما نكون أمام توصيفٍ لحالة داخلية. السكون ليس هدوءًا خارجيًا، بل مساحة آمنة تختبئ فيها الأحلام من قسوة الانكشاف، وكأن جبران يقول إن الحقيقة العاطفية لا تُحتمل تحت ضوء الشمس، بل تحتاج إلى عتمةٍ رحيمة.
ثم يتقدم بنا إلى مشهدٍ أكثر توترًا:
“وسعى البدر وللبدر عيون ترصد الأيام”
القمر هنا ليس شاعريةً بقدر ما هو رقيب، فحتى في لحظات الحب، هناك شعور خفي بأن العالم يراقب، بأن العاطفة ليست حرة بالكامل، وهذا الإحساس بالمراقبة هو ما يدفع النص نحو دعوةٍ شبه متمردة:
 “فتعالي يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق”
ليست دعوةً للنزهة، بل للهروب، الهروب من مجتمعٍ يضيق بالحب الصريح، نحو طبيعةٍ لا تحاكم، نحو “كرمة” تصبح رمزًا لمساحة بديلة، يعيش فيها العاشقان كما يشتهيان، لا كما يُفرض عليهما...
وحين يقول:
 “علّنا نطفئ بذيّاك العصير حرقة الأشواق”
فهو لا يعد بالخلاص، بل بالتهدئة، فالأشواق هنا ليست عابرة، بل حرقةٌ مستمرة، لا تُطفأ تمامًا، بل تُسكَّن مؤقتًا. وهنا تتجلى إحدى أعمق أفكار النص: الحب ليس راحة، بل توترٌ جميل، ألمٌ لا يرغب صاحبه في الشفاء منه.
ثم تتحول الطبيعة إلى شريكٍ في التجربة:
“اسمعي البلبل ما بين الحقول يسكب الألحان”
البلبل هنا ليس طائرًا، بل صوت القلب حين يعجز الإنسان عن التعبير، فكل شيء في الطبيعة يتكلم بدلًا عن العاشقين: الريحان، النسيم، الحقول… وكأن الكون كله يتواطأ ليقول ما لا يُقال.
لكن الخوف يبقى حاضرًا:
 “لا تخافي يا فتاتي فالنجوم تكتم الأخبار”
هنا يبلغ النص ذروته الإنسانية، فالحب موجود، لكن الخوف من انكشافه أكبر، لذلك يحتاج العاشق إلى طمأنة حبيبته، لا بأن العالم سيتغير، بل بأن العالم لن يراهما. النجوم، الضباب، الليل… كلها تتحول إلى أدوات إخفاء، لا إلى عناصر جمال فقط.
وحين يعجز الواقع عن توفير الأمان، يفتح جبران باب الأسطورة:
 “فهو مثلي عاشق كيف يبوح بالذي يضنيه”
حتى “ملك الجن” يصبح عاشقًا عاجزًا عن البوح، وهنا تتكثف الفكرة المركزية للنص:
الحب الحقيقي ليس في إعلانه، بل في ذلك العجز المؤلم عن قوله.
لقد كتب جبران هذا النص من موقع إنسانٍ يعيش اغترابًا مزدوجًا: اغترابًا عن مجتمعه، واغترابًا داخل نفسه، ولذلك لم يكن الليل عنده مجرد زمن، بل وطنًا بديلًا، ومساحةً يتنفس فيها ما لا يستطيع قوله في النهار...
وحين وصلت هذه الكلمات إلى موسيقارٍ بحجم محمد عبد الوهاب، أدرك أن النص لا يحتاج إلى استعراض، بل إلى إنصات. فجاء اللحن هادئًا، شفافًا، كأنه امتداد لذلك الليل، ثم جاءت فيروز، بصوتها الذي يشبه الهمس، لتغنيها عام ١٩٦١لا كأغنية، بل كسرٍّ يُتداول بين قلبين.
وهكذا، لم تعد “سكن الليل” مجرد قصيدة أو لحن، بل تجربة كاملة:
حكاية حبٍ لا يجرؤ على الظهور، في عالمٍ لا يرحم الوضوح، فيختار أن يعيش… حيث لا يراه أحد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتركه جبران معلقًا في العتمة:
هل كان الليل ملاذًا للحب… أم كان دليلًا على أن هذا الحب لا يستطيع أن يعيش في النور؟