
حين يصبح الصمت أثقل من الحزن؟.
ليس الاكتئاب ذلك الحزن الذي يزورك ثم يغادر، ولا تلك الغمامة العابرة التي تمرّ على القلب ثم تنقشع. إنه شيء آخر تمامًا… أشبه بانطفاء داخلي بطيء، لا يُصدر صوتًا، ولا يطلب إذنًا، لكنه يسرق الضوء من كل ما كان يبدو يومًا بسيطًا وواضحًا.
في البداية، لا يبدو الأمر خطيرًا. مجرد تعب زائد، رغبة في الانعزال، فقدان طفيف للشغف. لكن شيئًا فشيئًا، تتغير اللغة الداخلية للإنسان. تصبح الأشياء التي كانت تمنحه معنى — العمل، العلاقات، حتى التفاصيل الصغيرة — بلا طعم، كأنها تؤدى من خلف زجاج سميك لا يسمح بالوصول الحقيقي إليها.
الاكتئاب لا يكتفي بأن يثقل القلب بالحزن، بل يعيد تشكيل إدراكك للعالم. يقنعك بهدوء قاسٍ أن الفرح ليس حقًا إنسانيًا عامًا، بل حالة استثنائية يعيشها الآخرون فقط. وأنك، بطريقة ما غير مفهومة، خارج هذه المعادلة. ومع الوقت، لا تعود تحارب الفكرة… بل تبدأ في تصديقها.
الأصعب في الاكتئاب ليس الألم نفسه، بل قدرته على جعل الألم يبدو “طبيعيًا”. أن تستيقظ كل يوم وأنت تعرف أنك لست بخير، ثم تتصرف وكأن ذلك جزء ثابت من الحياة لا يستحق السؤال. أن تبتسم لأن ذلك مطلوب اجتماعيًا، بينما داخلك ينهار بصمت لا يراه أحد.
هو ليس ضعفًا كما يُقال أحيانًا، ولا رفاهية شعورية كما يُساء فهمه. هو حالة من الانفصال البطيء بين الإنسان ونفسه، بينه وبين المعنى، بينه وبين الرغبة في الاستمرار. ومع ذلك، يواصل الكثيرون السير وكأن شيئًا لا يحدث، لأن التوقف يبدو أكثر صعوبة من الاستمرار.
لكن حتى في أكثر اللحظات قتامة، لا يكون الاكتئاب نهاية الحكاية. هو حالة مغلقة على نفسها، لكنها ليست أبدية بطبيعتها. وجودها لا يلغي أن هناك خارجها شيئًا آخر، حتى لو بدا بعيدًا أو غير قابل للتصديق في لحظته.
ربما لا يُطلب من الإنسان في هذه الحالة أن “يكون قويًا” كما يقال، بل أن يعترف فقط بأن ما يعيشه ليس طبيعيًا، وأن الصمت الطويل ليس حلاً. فالمشاعر التي تُحاصر داخل الإنسان لا تختفي بالتجاهل، لكنها قد تبدأ بالانفراج حين تجد من يسمعها دون تقليل أو استعجال.
الاكتئاب يطفئ الضوء، نعم… لكنه لا يملكه إلى الأبد.