
حين يذوب القلب بين “أين أنت” و“أين أنا”
لم أكن أظن أن الحنين يمكن أن يتحول إلى حالة انقسام داخل الروح، كأنني لست أنا من أعيش، بل ظلي هو الذي يواصل الحياة عني. كنت أظن أن الحب وعدٌ بالطمأنينة، فإذا به يصبح سؤالاً مفتوحاً لا ينتهي: أين أنت الآن بل أين أنا؟
أتذكر حين كنت أقول لنفسي إن الدنيا تميل لأهل الهوى، تمنحهم أنساً وطيباً، كأنها خُلقت لتبتسم لهم وحدهم. كان ذلك قبل أن أعرف أن الفرح قد يكون وجهه الآخر الفقد، وأن القلب إذا أحب بصدق لا يعود ملك صاحبه.
كنت أعيشكِ كيقين لا يُناقش. كان وجودكِ يختصر الطريق، ويختصر الزمن، ويجعل من أيامي المتعبة شيئاً يشبه المعجزة. لكنني الآن، حين أستعيد صدى تلك اللحظات، أجد أنني لم أكن أعيشكِ فقط… بل كنت أضيع فيكِ دون أن أدري.
وفؤادي كاد من فرط حنيني أن يذوبا…
لم تكن مبالغة شعرية في تلك اللحظة، بل كانت اعترافاً متأخراً بأن القلب إذا اشتد حنينه لا يبقى قلباً كما كان، بل يتحول إلى شيء هشّ، قابل للذوبان في كل ذكرى.
لو عاد الزمن، لا أطلب المستحيل كما كنت أظن، بل أطلب أبسط ما فقدته: نفسي.
لو عادت لي رد الزمان إليّ سالف بهجتي
لكن ما لم أفهمه آنذاك، أن البهجة لا تعود كما كانت، لأننا نحن الذين لا نعود كما كنا.
كنتِ يا هدى الحيران في ليلي الضنى، لستِ مجرد حب، بل كنتِ الاتجاه. وحين غبتِ، لم أضِعكِ وحدكِ… بل ضعتُ أنا أيضاً، حتى لم أعد أعرف: هل كنتِ أنتِ الغياب، أم أنني أنا الغائب الحقيقي؟
اليوم أجلس في آخر الليل، لا أبحث عنكِ كما كنت أفعل، بل أبحث عني فيكِ. أستعيد اسمي بين التفاصيل، كأنني أفتش عن رجلٍ كان هنا ذات يوم ثم تبخر.
وأعود إلى السؤال الذي لا يرحم: أين أنتِ الآن؟ بل أين أنا؟