
حين يتحول الغياب إلى حياة كاملة:
يطول بعدك، فتطول معه الحياة بشكلٍ لا يُحتمل، كأن الزمن نفسه فقد اتجاهه وصار يدور حول فراغٍ واحد اسمه الغياب. لا يعود الأمر مجرد اشتياق عابر، بل يتحول إلى نمط وجود، إلى حالة يعيش فيها الإنسان على شوقه وأشجانه كما لو أن هذا الشوق صار الغذاء الوحيد الممكن للاستمرار. وما بين ماضٍ يفترض أنه كان يجب أن يواسي، لكنه “ما هوش راضي يسليني في حرماني”، ينكسر آخر خيط كان يمكن أن يُمسك به القلب كي ينجو.
هكذا يصبح الماضي نفسه جزءاً من العجز، لا نافذة خلاص، بل مرآة تُعيد إنتاج الألم بلا رحمة. وفي هذا الفراغ الممتد، لا يجد الإنسان سوى ذاته ودمعه، “وأبات انعي أنا ودمعي”، كأن الليل لم يعد وقتاً للنوم بل مساحة مفتوحة للنحيب الصامت، حيث ينقسم الإنسان على نفسه: واحد يعيش، وآخر يواكبه في البكاء دون توقف.
ومع ذلك، فإن الألم لا يبقى داخلياً فقط، بل يتقاطع مع نظرة الآخرين، مع احتمال الشماتة، فيصبح الحزن شيئاً يجب إخفاؤه، “وأخبي دمع العين وأداري من اللايمين”، وكأن الانكسار لم يعد كافياً، بل يجب أيضاً ستره. هنا يتضاعف الوجع: وجع الفقد، ووجع الخوف من أن يُرى هذا الفقد كضعف، أو أن يتحول إلى مادة لسخرية الآخرين.
لكن السؤال الذي يعلو فوق كل شيء، ويكشف عمق الأزمة الإنسانية في هذه الحالة، هو ذلك السؤال الذي لا يجد جواباً: “ولحد امتى حتبقى انت والشمتانين أروح لمين؟”. إنه ليس سؤال عاشق فقط، بل سؤال إنسان فقد كل مرافئه، فلا الحبيب عاد، ولا الناس أنصفوا، ولا الذاكرة منحت عزاءً كافياً. إنها لحظة انهيار المرجعيات كلها، حيث يصبح “الذهاب إلى أحد” مستحيلاً، لأن الجميع إما غائب أو جارح أو غير قادر على الفهم.
في النهاية:
لسنا مع مجرد شكوى من حب مفقود، بل حالة وجودية كاملة، يعيش فيها الإنسان على حافة الانكسار، بين ذاكرة لا تُنقذ، وواقع لا يرحم، وقلب لا يعرف كيف يتوقف عن الانتظار. إنها ببساطة مأساة الإنسان حين يصبح الغياب وطنه الوحيد.