
حين يتشابه القلب وتختلف اللغة:
نميل، في كثير من الأحيان، إلى الاعتقاد بأننا كائنات متباعدة أكثر مما نحن عليه في الحقيقة. نرى الآخرين من خلال طريقتهم في التعبير، فنحكم عليهم بسرعة: هذا بارد، ذاك قاسٍ، وآخر لا يكترث. لكن ما لا ننتبه إليه هو أن ما يظهر على السطح ليس إلا أسلوبًا، وليس جوهرًا. فالاختلاف الذي نراه ليس اختلافًا في الشعور، بل في ترجمته.
في العمق، تتشابه التجارب الإنسانية إلى حدٍّ مدهش. الحب، الخوف، الفقد، الحنين، كلها مشاعر تمرّ بنا بدرجات متقاربة، مهما اختلفت البيئات واللغات والوجوه. ما يتغير هو الطريقة التي نختار بها أن نواجه هذه المشاعر: هناك من يكتبها، من يبكيها، من ينكرها، ومن يخبئها حتى عن نفسه. وهنا يبدأ الالتباس.
نخطئ حين نربط الصمت بالفراغ، أو نربط القسوة بانعدام الإحساس. فالصمت قد يكون امتلاءً لا يحتمل الكلمات، والقسوة أحيانًا ليست إلا درعًا هشًّا يحاول صاحبه أن يحمي به نفسه من انكسار جديد. كذلك الابتسامة التي نظنها دليل راحة، قد تكون مجرد وسيلة للبقاء، لا أكثر.
إن ما يربكنا في الآخرين ليس أنهم لا يشعرون، بل أنهم لا يشبهوننا في التعبير عمّا يشعرون به. نحن نبحث عن نسخٍ منا، عن انعكاس واضح لطريقتنا في الحب أو الحزن، وحين لا نجده، نظن أن الطرف الآخر يعيش عالمًا مختلفًا. والحقيقة أن العوالم متداخلة، لكن لغاتها متعددة.
كل إنسان يحمل قصة مختلفة قادته إلى الإحساس ذاته. الطريق هو ما يختلف، لا الوجهة. تفاصيل التجارب، لحظات الانكسار، نقاط التحول، كلها تشكل الأسلوب الذي يتبناه المرء في التعامل مع ما يشعر به. لذلك، لا يكون الفارق الحقيقي بين الناس في قدرتهم على الإحساس، بل في قدرتهم على التعبير عنه، وفي الجرأة أو الخوف من كشفه.
حين ندرك هذا، تتغير نظرتنا للآخرين. نصبح أقل قسوة في أحكامنا، وأكثر اتساعًا في فهمنا. ندرك أن القلوب، رغم كل ما يبدو بينها من مسافات، أقرب مما نتصور. وأن ما يفصلنا ليس عمق الشعور، بل الطريقة التي نختار بها أن نُظهره أو نخفيه.
وفي هذا الإدراك، شيء من الرحمة... وشيء من السلام.