
إعادة تدوير الوجوه القديمة: هل تغيّر الإدارة المحلية في دمشق؟
في وقت ينتظر فيه المواطنون من الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع خطوات حقيقية لإصلاح الإدارة المحلية ومحاسبة المتورطين في ملفات الفساد، تأتي بعض القرارات لتضع علامات استفهام كبيرة حول مسار هذه الإصلاحات.
فمثلاً، إعلان تعيين باسل دالاتي رئيساً لبلدية المزة في دمشق أثار صدمة لدى شريحة واسعة من الأهالي. فمن المعروف عن دالاتي أنه كان رئيساً لمجلس مدينة الزبداني، ويرتبط اسمه بملف تجريف المنازل بعد تدميرها، تحت ذريعة إزالة الأنقاض والمخلّفات. الأحداث الماضية في الزبداني لم تُمحى من ذاكرة الناس، ومن الصعب عليهم رؤية نفس الشخص يتولى منصباً إدارياً جديداً في قلب العاصمة.
هذا التعيين يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الإصلاحات في الإدارة المحلية: هل نعني بالإصلاح إعادة تدوير الوجوه القديمة التي ارتبطت سابقاً بممارسات مشكوك فيها؟ أم أن هناك رؤية حقيقية لبناء مؤسسات قادرة على حماية حقوق المواطنين وتعزيز العدالة والمساءلة؟
التجربة السورية تثبت أن الاستمرارية في اعتماد وجوه قديمة دون مساءلة تاريخية تؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين في الإدارة، وتخلق إحباطاً عاماً، خصوصاً لدى من عايشوا آثار الفساد وسوء التخطيط الإداري. الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير أسماء المسؤولين، بل يشمل مراجعة السياسات السابقة، وتصحيح المسار، ووضع معايير واضحة للتعيين تقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المجتمع.
الحكومة الانتقالية أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين الإدارة والمواطنين، وبناء نموذج جديد للشفافية والمساءلة. لكن استمرار سياسات إعادة تدوير الوجوه القديمة، حتى مع تغييرات سطحية، يبعث برسائل متناقضة ويعكس نوعاً من الركود في الإصلاح.
الواقع اليوم يطالب بأكثر من مجرد تعيينات رمزية؛ فهو يحتاج إلى خطوات عملية تكسر دائرة التوريث الإداري والولاء الشخصي، وتضع المواطن في قلب السياسة المحلية. أما إذا استمرت سياسة تدوير المسؤولين الذين يحملون سجلاً مشكوكاً فيه، فإن الثقة التي ينشدها المجتمع السوري ستظل حلماً بعيد المنال.
في النهاية، القرار يعود للحكومة الانتقالية: هل تريد أن تكون بداية جديدة حقيقية، أم مجرد نسخة معاد تدويرها من الماضي؟