
لا حنين لمن أطفأ الروح:
"ولا تجعل في قلبي حنينًا، لمن هان عليه انطفاء روحي."
هناك لحظات لا تكون فيها الخسارة مجرد غياب شخص، بل انهيار معنى كامل كنت تبني عليه داخلك حياةً كاملة. ليس الألم في الرحيل وحده، بل في الطريقة التي يتحول بها من كان وطنًا إلى مجرد ذكرى ثقيلة لا تصلح حتى للحنين.
الحنين، في جوهره، ليس ضعفًا كما يُقال، بل هو شكل من أشكال الوفاء الداخلي، لكنه يصبح خيانة للذات حين يُوجَّه نحو من لم يراعِ هذا الوفاء أصلًا. فكيف يمكن للقلب أن يشتاق إلى من مرّ فوقه كعاصفة، وتركه مكسورًا دون التفات؟ وكيف للعقل أن يقبل بإعادة تدوير الألم تحت مسمى الاشتياق؟
ثمة أشخاص لا يغادرون حياتك فقط، بل يغادرون إنسانيتهم منك أولًا، حين يستهينون بانطفاءك، حين يرون انكسارك حدثًا عابرًا لا يستحق حتى وقفة إدراك. هؤلاء لا يحق لهم أن يُستدعوا في الذاكرة كحنين، لأنهم لم يكونوا يومًا أهلًا لأن يتحولوا إلى ذكرى جميلة.
الخطورة ليست في أن تُؤذى، بل في أن تُقنع نفسك بأن الأذى يمكن أن يُغتفر بلا حدود. هناك حدود للغفران، ليس لأن القلب قاسٍ، بل لأن الاستمرار في التسامح مع من لا يقدّر يعني ببساطة التنازل عن قيمة الذات.
حين يطفئ أحدهم روحك ثم يمضي، فهو لا يترك فراغًا فقط، بل يترك درسًا قاسيًا: أن لا أحد يستحق أن يُمنح القدرة على كسر داخلك مرتين؛ مرة بالفعل، ومرة بالحنين.
لذلك، يصبح هذا الدعاء موقفًا وجوديًا أكثر منه جملة عاطفية: أن يُنزع الحنين من قلبك تجاه من هان عليه انطفاؤك، هو شكل من أشكال النجاة، لا القسوة.
فالقلوب لا تُخلق لتبقى محطات عبور لمن لا يتقن احترامها، ولا لتظل سجينة صور من خذلوها ثم مضوا وكأن شيئًا لم يكن. ومن الحكمة، أن تُغلق بعض الأبواب ليس نسيانًا، بل احترامًا لما تبقّى منك.
في النهاية، لا أحد يستحق أن يتحول إلى وجع دائم تحت اسم الحنين، خصوصًا إن كان قد تعامل مع انطفائك كتفصيل غير مهم في روايته هو.