
تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن بلاده سترد ( بجميع الوسائل العسكرية المتاحة ) في حال تعرضت لهجوم أوروبي :
يأتي في سياق تصاعد الخطاب السياسي المرتبط بالحرب الدائرة في أوكرانيا، ويعكس استمرار حالة التوتر بين موسكو من جهة، وأوروبا وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، ورغم قوة العبارة وحدّتها، فإنها تندرج ضمن إطار الردع السياسي أكثر مما تشير إلى استعداد فعلي لمواجهة عسكرية مباشرة...
الخطاب الروسي الرسمي يركّز على فكرة أن الأمن القومي لروسيا يتعرض لتهديد متزايد نتيجة السياسات الأوروبية، ولا سيما توسيع نطاق الدعم العسكري واللوجستي لأوكرانيا، غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع أوروبي مختلف، إذ إن الاتحاد الأوروبي لا يشكل كيانًا عسكريًا موحدًا، كما أن قرارات الحرب والسلم داخله تخضع لتعقيدات سياسية وقانونية كبيرة، تجعل من خيار المواجهة المباشرة مع روسيا أمرًا بالغ الصعوبة...
الدول الأوروبية، على اختلاف مواقفها من موسكو، تتحرك حتى الآن ضمن إطار دعم أوكرانيا دون الانزلاق إلى صدام مباشر، هذا الحذر يعكس إدراكًا أوروبيًا واسعًا لحساسية التوازنات الدولية، ولخطورة أي مواجهة مع دولة تمتلك قدرات عسكرية ونووية كبيرة، كما أن الأزمات الاقتصادية والطاقوية التي تواجهها أوروبا تقلّص من قدرتها على خوض مغامرات عسكرية واسعة النطاق.
في هذا السياق، يبدو التلويح الروسي باستخدام ( جميع الوسائل العسكرية المتاحة )رسالة تحذير تهدف إلى رسم حدود للتصعيد، أكثر منه إعلانًا عن نية فتح جبهة جديدة، فروسيا، المنخرطة في حرب طويلة ومكلفة، تدرك أن أي تصعيد مباشر مع أوروبا قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع بشكل يصعب احتواؤه، ويفتح الباب أمام مواجهة شاملة مع حلف الناتو...
في المقابل، لا يقتصر التفاعل الروسي مع أوروبا على البعد العسكري التقليدي، إذ تعتمد موسكو، في إدارة خلافها مع الغرب، على أدوات متعددة تشمل الضغوط في ملف الطاقة، ط والتحركات الدبلوماسية، إضافة إلى مجالات أخرى مثل الأمن السيبراني، هذه الأدوات تمنحها هامش مناورة أوسع، وتسمح بإدارة الصراع ضمن مستويات أقل خطورة من المواجهة العسكرية المباشرة...
توقيت تصريحات لافروف يعكس كذلك رغبة روسية في التأكيد على ثبات الموقف وعدم التراجع تحت الضغط، في ظل تصاعد الدعم الغربي لأوكرانيا، وهي رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى العواصم الأوروبية، مفادها أن استمرار التصعيد له حدود، وأن أمن روسيا القومي يبقى أولوية لا تقبل المساومة...
في المحصلة، لا تشير المعطيات الحالية إلى اقتراب مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا وأوروبا، فالجميع يدرك كلفة هذا السيناريو وتداعياته الواسعة على الأمن والاستقرار الدوليين. وبين خطاب روسي تحذيري وحذر أوروبي محسوب، يستمر الصراع ضمن معادلة ردع متبادل، تُدار فيها الأزمة سياسيًا وإعلاميًا، مع السعي إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لا تخدم مصالح أي طرف.