
عندما يتذكر العالم اسم جيفري إبستين، يتبادر إلى الأذهان ثراء هائل، علاقات سياسية واجتماعية واسعة، وجرائم مروعة ضد القاصرين والمراهقين، لقد اهتزت المؤسسات الأميركية، وارتجفت وسائل الإعلام العالمية، وكانت قصته محور تحقيقات ووثائقيات استمرت سنوات...
لكن ماذا لو كان هذا الرجل عربياً أو مسلماً؟ :
- هل كانت قصة إبستين ستروى على هذا النحو وبنفس الطريقة؟..
- أم أن المعايير كانت لتصبح مزدوجة، مدفوعة بالهوية أكثر من الجريمة نفسها؟..
الإجابة على هذا السؤال تكشف الكثير عن كيفية تعامل الإعلام الدولي مع الجرائم الكبرى بحسب خلفية المجرم، إبستين الأمريكي، بالرغم من نفوذه، كان محور التركيز على شبكات استغلاله، على الضحايا، وعلى إخفاقات النظام القضائي الأميركي، لم يكن هناك تشويه عام للهوية الأميركية أو للديانة، بل كانت القضية تُعرض كتحذير من السلطة المطلقة والفساد المالي والاجتماعي...
لو كان المشتبه به عربياً أو مسلماً، لكان المشهد مختلفاً، كون وسائل الإعلام الغربية تميل، وفق خبرة متراكمة، إلى ربط الهوية بالخطأ، حتى في أبسط الجرائم، عناوين الأخبار كانت لتتضمن انطباعات عن الدين أو المنطقة، وهو تحيز نمطي واضح، بدلاً من التركيز على الضحايا أو على شبكة النفوذ التي سمحت بارتكاب الجرائم، كان التركيز سيذهب إلى :
- "كيف يمكن لدولة عربية أن تواجه مثل هذه القضية؟"..
- أو "هل هذه انعكاس لثقافة معينة؟"..
الازدواجية تظهر أيضاً في التغطية السياسية، فإبستين الأمريكي كان محاطاً بهالة حماية قضائية، مع ضغوط عامة لإظهار نزاهة القانون، أما لو كان عربياً أو مسلماً، فربما كانت الضغوط الدولية على الحكومة المعنية أكبر، مع انتقادات فورية للنظام القضائي، وحتى دعوات لإرسال خبراء دوليين، وهو ما لم يحدث في الحالة الأميركية إلا على مستوى النقاش العام وليس على المستوى الرسمي المباشر..
وكذا :
فإن وسائل التواصل الاجتماعي، التي لعبت دوراً محورياً في فضح إبستين، كانت لتصبح ساحة مزدوجة :
- من جهة صدمة وغضب عالمي... - ومن جهة أخرى توظيف الهوية في المناقشات، وربما توجيه بعض النقد نحو المجتمع بأكمله بدل التركيز على المسؤولية الفردية...
الا ان النقطة الأهم هنا، هي التغطية على الضحايا، في حالة إبستين، الضحايا حظين بتغطية مكثفة ودعم واسع، وهنا ايضا لو كان المجرم عربياً أو مسلماً، كان هناك احتمال أن ينحرف الخطاب الإعلامي عن الضحايا، لصالح التركيز على الهوية، وهو ما قد يضعف فرص العدالة الإعلامية لهم في وسائل الإعلام العالمية...
في النهاية :
القضية ليست عن شخص أو جريمة، بل عن ازدواجية المعايير، هوية المجرم تغير الطريقة التي يروى بها الخبر، الطريقة التي يُحلل بها، حتى الطريقة التي يُنظر بها إلى الضحايا، فإبستين الأمريكي أصبح درساً عالميًا في الفساد والاستغلال الجنسي، لكن نسخة عربية أو مسلمة من القصة كانت لتصبح، للأسف، درساً في الانحياز الإعلامي والثقافي قبل أي شيء آخر.