
مفاتيح تُنسى… وأبواب لا تعود تُفتح.
أتدرون ما الغربة؟
ليست مجرد ابتعادٍ عن أرضٍ أو انتقالٍ بين حدود، وليست حقيبةً تُحمل ولا جوازًا يُختم. الغربة، في جوهرها، أن تقف أمام بابٍ كنت يومًا تدخله دون استئذان… ثم تكتشف أنك لم تعد تملك مفتاحه.
الغربة أن تتبدل العلاقة بينك وبين الأشياء دون أن تشعر. أن تصبح الأماكن التي حفظت خطواتك غريبةً عن وقع قدميك، وأن تنظر إليك الجدران التي شهدت ضحكاتك وكأنها لم تعرفك يومًا. ليس لأنك تغيّرت وحدك، بل لأن الزمن – ذلك السارق الصامت – أعاد ترتيب كل شيء، حتى أنت.
هي لحظة إدراك موجعة: أنك لم تعد تنتمي كما كنت. لا إلى المكان الذي غادرته، ولا تمامًا إلى المكان الذي وصلت إليه. كأنك معلّق بين عالمين، لا جذور لك في أيٍّ منهما، ولا ظلّ يكتمل تحت شمسٍ واحدة.
الغربة أيضًا أن تشتاق لأشياء لم تعد موجودة أصلًا. لا للبيت كجدران، بل لدفء كان يسكنه. لا للشارع كطريق، بل للخطى التي كانت تسير فيه. تشتاق لنفسك القديمة، تلك التي كانت تملك مفاتيح كثيرة، ولم تكن تدرك قيمتها.
وربما أقسى ما في الغربة أنها لا تُقاس بالمسافات. فقد يكون الإنسان في قلب وطنه، وبين أهله، ومع ذلك يشعر أنه على أطراف الحياة. غريب عن اللغة التي يتكلمها، وعن الوجوه التي يراها، وعن التفاصيل التي كانت يومًا جزءًا منه.
في النهاية، الغربة ليست فقدان المكان… بل فقدان القدرة على العودة كما كنت.
أن تطرق الباب… لا لتدخل، بل لتتأكد فقط أنه لم يعد يُفتح لك.