
محكمة الضمير… القاضي الذي لا يغيب
كل إنسان طبيعي يحمل داخله محكمة خفية لا تُرى، لكنها لا تنام. ليست لها جدران ولا أبواب، ولا يجلس فيها قضاة بزيّ رسمي، ومع ذلك فهي أشدّ المحاكم صرامة، وأدقّها ميزانًا. إنها محكمة الضمير.
في هذه المحكمة، لا يحتاج الإنسان إلى شهود، لأن الوقائع محفوظة في ذاكرته هو قبل غيره. ولا يحتاج إلى ادّعاء عام، لأن النفس تتولى تقديم “اللائحة الاتهامية” بنفسها، كلما حاول صاحبها الهروب من خطأ أو تبرير انحراف. هناك، لا تنفع البلاغة، ولا تنقذ الأعذار المحكمة، لأن الحقيقة تُعرض كما هي، مجردة من الزينة والإنكار.
محكمة الضمير لا تُغلق ملفاتها بالتقادم. قد ينجو الإنسان من القانون، وقد يفلت من رقابة المجتمع، وقد ينجح في إخفاء أثر فعلته عن الآخرين، لكنه لا يستطيع أن يهرب من نفسه. فهناك دائمًا لحظة صمت، قد تأتي في الليل أو في لحظة ضعف أو حتى في لحظة فرح، ينفتح فيها الملف القديم فجأة، ويبدأ الاستجواب الداخلي بلا رحمة.
ما يميز هذه المحكمة أنها عادلة إلى حدّ القسوة. فهي لا تتأثر بالمناصب ولا بالسلطة ولا بآراء الناس. لا تجامل صاحبها ولا تهادنه. إن أدانته، فهو المدّعي والمتهم والقاضي في الوقت نفسه، ولذلك تكون الإدانة مضاعفة، كما تكون البراءة أيضًا أثقل وقعًا حين تتحقق بصدق داخلي.
لكن الأهم من ذلك أن هذه المحكمة ليست لعقاب الإنسان فقط، بل لإبقائه حيًّا من الداخل. فغيابها أو تعطّلها يعني بداية موت أخلاقي بطيء، حيث يفقد الإنسان قدرته على مراجعة نفسه، ويصبح الخطأ عنده عادة، والظلم مبررًا، والتجاهل أسلوب حياة.
إن الشعوب أيضًا تمتلك شيئًا من هذه المحكمة، تمامًا كما الأفراد. فالأمم التي تُعطّل ضميرها الجمعي، تفقد قدرتها على النقد الذاتي، وتدخل في حالة من التبرير المستمر، حتى تنفصل عن حقيقتها تدريجيًا.
في النهاية، ليست العدالة الحقيقية تلك التي تُفرض من الخارج فقط، بل تلك التي تنبع من الداخل. فمحكمة الضمير، مهما كانت صامتة، تبقى الصوت الأكثر صدقًا في الإنسان، والصدى الأعمق لكل فعل يقوم به.
ومن لا يسمعها… لا يحتاج إلى قاضٍ آخر، لأن الحكم قد صدر بالفعل من داخله، لكنه اختار ألا ينصت.