
من وهم الانتصار إلى مأزق الحكم، أفغانستان درسٌ… وسورية واقع :
يُفضّل الخطاب الأيديولوجي، ولا سيما الديني التعبوي، سرديات النصر السهلة، عدوّ يُطرد، راية تُرفع، وتاريخ يُختزل في لحظة واحدة تُقدَّم على أنها فتح مبين...
هكذا رُوّج لانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، لا بوصفه قرارًا سياسيًا بعد حرب طويلة، بل كدليل قاطع على انتصار الإيمان على القوة، والجهاد على التكنولوجيا، والعقيدة على الدولة،
غير أن الوقائع، حين تُقرأ بهدوء، تكشف صورة مختلفة تمامًا، فالولايات المتحدة لم تغادر أفغانستان لأنها هُزمت عسكريًا، بل لأنها وصلت إلى قناعة استراتيجية بأن مشروع إعادة بناء الدولة فشل، والكلفة تجاوزت أي جدوى سياسية أو اقتصادية، فبعد عشرين عامًا من الإنفاق الهائل، تبيّن أن المجتمع الأفغاني، ببنيته القبلية المغلقة وتديّنه الجامد وغياب مفهوم الدولة، غير قابل للاختراق أو التحديث من الخارج، فجاء الانسحاب اعترافًا بفشل مشروع، لا تتويجًا لانتصار خصم...
الامتحان الحقيقي لأي نصر لا يكون في لحظة سقوط الخصم، بل في ما يليها بمعنى :
- ماذا قدّم الحكم الجديد؟..
- كيف يعيش الناس؟..
- ما شكل الاقتصاد؟ ما..
- حال التعليم والصحة والأمن؟
في الحالة الأفغانية، الإجابة واضحة، اقتصاد منهار، عزلة دولية، هجرة عقول، شلل في الخدمات، تحجيم واسع لدور المرأة، وبنية تحتية شبه معدومة، هذه ليست نتائج انتصار، بل أعراض دولة مأزومة...
الأخطر من الفشل ذاته هو تبريره دينيًا. حين يُحوَّل العجز الاقتصادي والانغلاق السياسي إلى ( ابتلاء بعد النصر ) يصبح الفشل مقدّسًا، وتُعطَّل المحاسبة، فإذا كان خروج الأميركيين نصرًا من الله :
- فلماذا لم يُستكمل هذا النصر ببناء دولة قادرة على تأمين حياة كريمة؟..
- أم أن التدخل الإلهي، في هذا المنطق، يتوقف عند طرد العدو ولا يمتد إلى مسؤولية الحكم؟..
يتضاعف التناقض حين نعلم أن التيار الإسلامي نفسه لا يُجمع على طالبان، من يبررها، ومن يرفضها، ومن يراها تشويهًا للإسلام...
- فإذا كانت لا تمثل الإسلام الصحيح، فكيف نُسب إليها نصر الإسلام؟..
- وهل يصبح التمثيل صحيحًا فقط لأن العدو هذه المرة هو الغرب؟..
من أفغانستان ننتقل إلى سورية، لا بوصفها احتمالًا، بل واقعًا قائمًا، فمهما كابرنا لا نستطيع أن ننكر أن سورية اليوم تُحكم فعليًا بقوى وفصائل ذات مرجعيات إسلامية متفاوتة، بعضها عسكري، وبعضها إداري، وبعضها يخلط بين الدعوي والسياسي...
والسؤال لم يعد ماذا لو حكم الإسلاميون؟..
بل:
- كيف يحكمون، وبأي منطق؟..
المشكلة الجوهرية لا تكمن في المرجعية الدينية بحد ذاتها، بل في غياب مشروع دولة حديثة، فحين يُدار الحكم بعقل الغلبة لا بعقل المؤسسات، وبمنطق ( الشرعية الثورية ) أو ( النصر العسكري ) بدل الشرعية الدستورية، نكون أمام إعادة إنتاج للفشل، لا قطيعة معه، وحين يُستبدل القانون بتأويل ديني، والكفاءة بالولاء، والسياسة بالوعظ، تتحوّل الدولة إلى غنيمة، لا إلى عقد اجتماعي...
سورية، بخلاف أفغانستان، ليست مجتمعًا قبليًا معزولًا، هي بلد عرف الدولة، والتعليم، والاقتصاد المتنوّع، ودور المرأة، والانفتاح النسبي على العالم، لكنها، في الوقت نفسه، بلد متعدّد دينيًا وطائفيًا وقوميًا، ولا يمكن حكمه بنموذج أحادي دون انفجار دائم، لذا فإن أي سلطة تتجاهل هذا الواقع، أكانت دينية أم غير دينية، ستدفع البلاد نحو صراع مفتوح، وهنا يصبح الدرس الأفغاني تحذيرًا مباشرًا لسورية حين يُختزل ( الانتصار على النظام السابق )، إلى مصدر شرعية أبدية، وحين يُنظر إلى المجتمع بوصفه قطيعًا يحتاج إلى تهذيب عقائدي لا مواطنين أصحاب حقوق. عندها لا يسقط الاستبداد، بل يغيّر لغته فقط...
باختصار :
سقوط نظام الأسد، مهما كانت طبيعته، لا يعني تلقائيًا قيام دولة أفضل، كون الانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الخصوم الذين خرجوا، بل بنوعية الدولة التي بقيت... أفغانستان ليست قصة نصر مؤجَّل، بل مثال صارخ على فشل الحكم حين يغيب مفهوم الدولة...
لذا :
فإن وسورية اليوم أمام اختبار لا يحتمل الشعارات، إمّا بناء دولة قانون ومؤسسات واقتصاد ومعرفة، أو تكرار مأساة أخرى باسم نصر جديد...
على العموم :
الرايات لا تُطعم الناس، والعقيدة لا تُغني عن الإدارة، والسلاح لا يبني دولة، هذه ليست قسوة في الحكم، بل الحد الأدنى من الصدق مع الواقع.