
من الصواريخ إلى الدرونز… إيران تدخل مرحلة أخطر في الحرب
في الوقت الذي تتسارع فيه الصواريخ الباليستية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يتضح أن الصراع الإقليمي لم يعد مقتصرًا على الضربات التقليدية، بل بدأ يتحوّل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة. التحول النوعي الذي يشهده المسرح الإيراني اليوم هو الانتقال من الاعتماد على الصواريخ الثقيلة إلى استخدام الطائرات المسيّرة (الدرونز)، وهو ما قد يغيّر طبيعة المواجهة إلى صراع استنزاف يومي، مع تداعيات تتجاوز الحدود الإقليمية.
لقد أدركت طهران مبكرًا أن الصواريخ الباليستية المكلفة قد تواجه اعتراضًا متزايدًا وأن خسائرها باهظة، فبدأت بالتحول إلى أسلوب الهجمات المستمرة بالدرونز منخفضة التكلفة، والمتعددة المواقع، ما يسمح لها بمواصلة الضغط على خصومها بوتيرة متسارعة، مع استنزاف منظومات الدفاع الجوي وتفادي الاعتماد على ضربات واحدة قد تحسم المعركة. هذه الدرونز، خصوصًا المسيّرات الانتحارية، لا تهدد القوات العسكرية فحسب، بل تستهدف أيضًا البنى التحتية الحيوية، المطارات، الموانئ، وشبكات الطاقة، مما يجعل الصراع أكثر انتشارًا وتأثيرًا اقتصاديًا عالميًا، ويضاعف المخاطر على حياة المدنيين.
التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن هذا النوع من الحرب لا يحسمه الضربة القوية وحدها، بل تراكم الهجمات اليومية التي تخلق ضغطًا مستمرًا على الدفاعات والمجتمع المدني، وهو ما يطرح سيناريو حرب استنزاف طويلة الأمد، قد تمتد لأشهر وربما أعوام. في هذا السياق، لا تكون القدرة التدميرية للأقوى دائمًا هي المحدد الرئيس، بل القدرة على البقاء والاستمرار في صياغة شكل جديد من المعارك.
التداعيات الاقتصادية والسياسية لهذا التحول ليست أقل خطورة. الضغط المتواصل على البنى التحتية المدنية يمكن أن يؤدي إلى تعطيل سلاسل التوريد، ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزعزعة استقرار الأسواق العالمية، بينما يفرض على صناع القرار في المنطقة والعالم إعادة تقييم استراتيجياتهم الأمنية والسياسية، والبحث عن آليات جديدة للتعامل مع تهديدات أقل تكلفة وأكثر تنوعًا، لكنها أكثر استنزافًا من أي صراع تقليدي سابق.
في النهاية، ما نشهده اليوم هو تحول جوهري في شكل الحروب الحديثة: من مواجهة محددة ذات ذروة واحدة، إلى صراع متواصل ومتعدد الوسائل، حيث يختلط التهديد العسكري بالتكنولوجيا الرخيصة، وتصبح القدرة على المناورة والبقاء والضغط المستمر هي العامل الحاسم. وفي هذا السياق، يبقى السؤال الأكبر: هل ستستطيع إيران الاستمرار في هذه المواجهة الاستنزافية، أم أن التحالفات الإقليمية والدولية ستجد طريقة لردع هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى أزمة لا نهاية لها؟