
مرآة الأمم… حين يكشف التقدير عن مصير الحضارات
"انظر إلى الأشخاص الذين يُقدّرهم المجتمع، تعرف الاتجاه الحضاري السائد في ذلك المجتمع ومصيره." ليست هذه الجملة مجرد ملاحظة عابرة، بل هي مفتاح لفهم أعمق من السياسة والاقتصاد والقوانين؛ مفتاح يدخل بنا إلى قلب البنية الأخلاقية لأي مجتمع، حيث تتشكل القيم الحقيقية بعيداً عن الشعارات المعلنة واللافتات الرسمية.
فالمجتمع لا يُعرّف بما يقوله عن نفسه، بل بما يُكافئه ويمنحه المكانة. حين يرتفع شأن العالِم، والمُبدع، وصاحب الضمير، والمُنتج الحقيقي، نكون أمام مجتمع يراهن على المستقبل، ويضع قدمه على طريق الحضارة. أما حين يتصدر المشهد أولئك الذين يتقنون الضجيج أكثر من الإنجاز، أو يملكون القدرة على التسلّق أكثر من القدرة على البناء، فإننا لا نكون أمام خلل عابر، بل أمام انحراف في البوصلة الحضارية نفسها.
التقدير الاجتماعي ليس تفصيلاً ثانوياً؛ إنه إعلان غير مكتوب عن “من نحن”. فحين يُصفَّق للفارغ لأنه يملأ الفضاء ضجيجاً، ويُهمَّش العميق لأنه لا يجيد لعبة الظهور، فإن المجتمع يختار، بوعي أو بغير وعي، شكل مستقبله. الحضارات لا تنهار فجأة، بل تبدأ من لحظة اختلال في منظومة الاعتراف: حين تختلط القيمة الحقيقية بالقيمة المصطنعة، ويُصبح اللامع بديلاً عن المفيد.
وفي التاريخ شواهد لا تُحصى. فكل مرحلة ازدهار ارتبطت بصعود نماذج بشرية محددة: العلماء في العصر العباسي، الفلاسفة والمخترعون في أوروبا الحديثة، رواد الاقتصاد والمعرفة في العصر المعاصر. وعلى النقيض، كل مرحلة تراجع سبقتها لحظة انزياح في الوعي الجمعي، حيث تحوّل معيار التقدير من “ما الذي يضيفه الإنسان؟” إلى “ما الذي يبدو عليه الإنسان؟”.
المجتمع الذي يُكافئ الإنتاج يبني ذاته حجراً فوق حجر، أما المجتمع الذي يُكافئ الاستعراض فإنه يبني وهماً فوق وهم. الأول يتقدم بصمت، والثاني يعلو صخباً ثم ينهار في صمت أشد.
لكن الأخطر من ذلك كله هو التطبيع مع هذا الانحراف. حين يصبح السؤال عن القيمة سؤالاً غريباً، وحين يُنظر إلى التفوق الحقيقي بوصفه تهديداً لا بوصفه قدوة، عندها تبدأ مرحلة الانحدار غير المعلن. فالانهيار الحضاري لا يحتاج دائماً إلى حرب أو كارثة؛ أحياناً يكفي أن يتغير “من نُعجب به” حتى يتغير “من نحن”.
إن معيار التقدير في أي مجتمع هو بوصلته الأخلاقية العميقة. فإذا أردت أن تعرف إلى أين يتجه مجتمع ما، فلا تنظر إلى خطبه ولا إلى خططه التنموية، بل انظر إلى أبطاله الحقيقيين: من يُرفع، ومن يُنسى، ومن يُقلَّد، ومن يُهمَّش.
فالتاريخ في النهاية لا يرحم المجتمعات التي أخطأت اختيار قدوتها.