
مرافئ لا تراها الخرائط
في كل مساء، أحمل حقائبي المكدّسة بالأسئلة وأمضي في دروبٍ لا تنتهي، أتنقّل بين الأزمنة والوجوه، كأنني ألاحق ظلاً أفلت مني منذ زمن بعيد. أطرق أبواب المدن التي تسكن الخيال، وأفتش في النوافذ المضيئة عن ملامح تشبهني، لكنني كثيرًا ما أعود وفي يدي صدى الانتظار فقط.
أشتهي مكانًا لا يُحاسب العابرين على تأخرهم، ولا يزن أحزانهم قبل أن يمنحهم حق الجلوس. مكانًا يعرف أن بعض الناس أتعبتهم الطرق أكثر مما أتعبتهم الحياة، فيمنحهم شيئًا من السكينة دون سؤال، وشيئًا من الدفء دون مقابل.
أمشي بين البشر بابتسامةٍ أتقنت رسمها، بينما في داخلي حكايات لم تجد من يصغي إليها. أبدو واثقًا من خطواتي، غير أنني كنت دائمًا أتعلم الطريق وأنا أسير فيه، وأجمع من كل تجربة جزءًا ضائعًا من نفسي.
وكم خدعتني النهايات التي ظننتها بداية الاستقرار، فإذا بها منعطفات جديدة نحو المجهول. عندها أدركت أن الرحلة الحقيقية ليست ما نقطعه من مسافات، بل ما نتحمله من حنين، وما نخسره من أعوام ونحن نلاحق صورةً لحياةٍ تمنيناها.
لهذا لم يعد الغياب يرعبني كما كان، فقد علّمتني العثرات أن الفراغ ليس عدوًا دائمًا، وأن الليل، مهما طال، يخفي في أعماقه ومضاتٍ صغيرة تكفي لئلا نفقد الطريق بالكامل.
وحين أسأل نفسي عمّا بقي من كل تلك الرحلات، أجد في الأعماق بذرة ضوء لا تزال تقاوم. كلما ضاقت السبل من حولها، ابتكرت دربًا جديدًا، وكلما أثقلها اليأس، رفعت رأسها نحو الأفق، مؤمنةً أن للغد نافذةً لا يراها إلا الذين لم يتخلّوا عن أحلامهم.