
مُذهلة… كما لا تُروى الحكايات
كانت من تلك الحكايات التي لا تبدأ من موعدٍ ولا تنتهي عند باب، بل تتسلل إلى الذاكرة كما يتسلل الضوء إلى نافذةٍ قديمة في صباحٍ شتويّ هادئ.
في الأمس البعيد، حين كانت التفاصيل أبسط من أن تُفهم وأعمق من أن تُنسى، التقيتها كأنها لم تأتِ من مكان، بل من معنى. لم تكن تشبه أحدًا، لا في حضورها ولا في غيابها؛ كأنها خُلقت لتربك فكرة “العادي” في كل شيء.
كان فيها شيء من التناقض الجميل الذي لا يُفسَّر: دفء يقترب أحيانًا حتى يطمئن القلب، ثم برودٌ مفاجئ يجعل السؤال يتردد طويلًا في الداخل. كانت تضحك، فيشبه ضحكها نافذة تُفتح على أمل، ثم تصمت فيبدو الصمت كأنه جدار من هيبة لا يُكسر بسهولة.
حتى بكاؤها… لم يكن بكاءً عابرًا. كان لحظة كاملة تُعيد ترتيب العالم من حولها، وكأن الحزن عندها ليس ضعفًا بل لغة أخرى للفهم.
كنت أراها، فأفهم أن الجمال ليس في الشكل وحده، بل في ذلك الاضطراب اللطيف الذي تتركه في الروح. لا تعرف هل تقترب منها لتطمئن، أم تبتعد لتنجو من سحرها.
ومع مرور الوقت، لم تعد مجرد شخص في الذاكرة، بل صارت حالة. كلما مرّ طيفها في خاطري، شعرت أن الأشياء كلها تعود كما كانت يوم عرفتها أول مرة: بسيطة من الخارج، ومعقدة في الداخل، صادقة حدّ الألم.
واليوم، حين أستعيد تلك الأيام، لا أستعيدها كقصة انتهت، بل كأثرٍ ما زال حيًا… لا يختفي، ولا يشيخ، ولا يعتذر عن بقائه.
هي من تلك الذكريات التي لا تُروى لتُفهم، بل لتُحَب فقط… بصمتٍ طويل، وحنينٍ لا يشبه أي حنين آخر.