
نتنياهو في واشنطن: سباق مع الاتفاق أم مقامرة استراتيجية؟
أقدَم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على تقديم موعد زيارته إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشكل عاجل، في مؤشر نادر على حجم القلق الإسرائيلي من مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. في حين كانت الزيارة مقررة بين 18 و22 فبراير/شباط للمشاركة في فعاليات إيباك والاجتماعات السنوية، أعلن مكتب نتنياهو أنها ستتم يوم ١١ شباط، ما يعكس تسارعًا في التحرك السياسي إزاء تطورات إقليمية حساسة.
في جوهرها، ليست هذه الزيارة مجرد "زيارة بروتوكولية" أو فرصة للتصوير الإعلامي، بل هي تحرك استباقي لإنقاذ ما يعتبره نتنياهو خطوطًا حمراء استراتيجية قد تُغضَّى أو تُعاد صياغتها في طهران أو واشنطن. ففي تل أبيب ترى دوائر أمنية أن المفاوضات الأمريكية‑الإيرانية قد تقود إلى اتفاق نووي محدود لا يعالج قضايا الصواريخ الباليستية أو الشبكات الإقليمية التي تقول إسرائيل إنها تشكل تهديدًا وجوديًا لها.
ما الذي يريده نتنياهو حقًا؟
من خلال زيارته العاجلة، يضع نتنياهو على الطاولة مجموعة شروط صارمة لإيران، بينها :
- خروج اليورانيوم المخصب من إيران وإعادة تصفير التخصيب النووي...
- الحد من مدى الصواريخ الباليستية إلى ٣٠٠ كم حتى لا تهدد العمق الإسرائيلي...
- وقف دعم إيران لوكلائها الإقليميين مثل حزب الله والمليشيات الشيعية في العراق واليمن..
هذه المطالب، كما لاحظت الصحافة الإسرائيلية، تُنظر إليها في طهران على أنها وثيقة استسلام غير مقبولة، ما يجعل احتمال التوصل إلى اتفاق يرضي تل أبيب شبه مستحيل...
من جانب آخر، لا يخفى على المراقبين أن تماسك التحالف الأمريكي‑الإسرائيلي ليس ثابتًا، ففي واشنطن ثمة انقسامات داخل الإدارة نفسها حول مدى تشدد أو تساهل الموقف الأمريكي تجاه إيران وملفاتها المتشابكة. ..
الخيار العسكري: هل هو مطروح؟ :
تصريحات ومواقف من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى استعداد تل أبيب للتحرك حتى من دون واشنطن إذا اقتضت الضرورة، لا سيما في مسألة الصواريخ الباليستية التي تعتبرها (وجوديًا )
هذا لا يعني أن إسرائيل تقف على أعتاب شن حرب كاملة بمفردها، ففي الواقع، أي قرار بمواجهة عسكرية واسعة ضد إيران سيُلزم تل أبيب بالتنسيق مع واشنطن بل حتى الاعتماد على دعم لوجستي واستخباراتي أمريكي، لاعتبارات تكتيكية وسياسية جوهرية...
تأتي زيارة نتنياهو في وقت تجري فيه مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في محاولة لإحياء ملف النووي، بوساطة تشمل مناقشات في تركيا تقودها الولايات المتحدة...
إيران نفسها تؤكد استعدادها لخوض محادثات "عادلة ومتوازنة"، لكن مع تحفظات كبيرة على الشروط الغربية، خاصة فيما يتعلق بصواريخها الباليستية والدور الإقليمي...
هذا المشهد الدبلوماسي المَرِن يُظهر أن واشنطن لا تزال تراهن على التفاوض أولاً، وتحتفظ بإمكانية الخيار العسكري كتهديد محتمل. من هنا، تُعد زيارة نتنياهو محاولة لإعادة إعادة رسم الحدود اللازمة لأي اتفاق من منظور إسرائيلي قبل فوات الأوان...
هل يغامر نتنياهو بمفرده ضد إيران؟ :
الإجابة ليست (نعم أو لا) مطلقة، بل نعم مشروطة:
نعم، تل أبيب تميل لاستعدادات عسكرية وتحافظ على إمكانية التحرك لوحدها في سيناريوهات محددة، لا سيما ضد قدرات الصواريخ النووية والبالستية...
لكن دخول إسرائيل في مواجهة عسكرية شاملة مع إيران دون دعم أمريكي قوي يعرضها لمخاطر استراتيجية هائلة، بما في ذلك تصعيد إقليمي وإمكانيات انتقام من قبل حلفاء إيران مثل حزب الله في لبنان...
في هذا السياق، فإن المغامرة “المنفردة” ليست خيارًا قابلاً للتطبيق عمليًا، بل أداة ضغط في معركة سياسية ودبلوماسية أكبر...
ختاماً:
زيارة نتنياهو إلى واشنطن ليست مجرد محطة عابرة في سجال طويل بين إسرائيل وإيران، بل استعراض قوة دبلوماسية من جانب إسرائيل لتثبيت أجندتها الأمنية عند شريكها الأكبر في الغرب. وهي في الوقت ذاته تحذير مبطن لواشنطن بأن تراجعها عن الخطوط الحمراء قد يدفع تل أبيب إلى خيارات أكثر صرامة، قد لا تكون في صالح الاستقرار الإقليمي.
من ناحية شخصية، أرى أن نتنياهو يُخاطر بأكثر مما يُراهن عليه؛ إذ أن الدفع نحو مزيد من التصعيد أو إثارة الانقسامات داخل البيت الأمريكي لن يضمن في النهاية تحقيق الأهداف التي يريدها، خصوصًا في ظل سياق دبلوماسي دولي يسعى لتخفيف التوتر وليس تأجيجه.
في نهاية المطاف، الحلول الأمنية والعسكرية قد تثبت مؤقتًا قوة إسرائيل، لكن بدون إطار سياسي دبلوماسي متين، فإن أي مواجهة مع إيران تبقى لعبة محفوفة بالمخاطر على الجميع—إسرائيل، الولايات المتحدة، بل والمنطقة بأسرها.